عتبة العبور

تسقط عنْد "عتبة العبور" كل فوارق وأحمال الدنيا الزائلة، فلا يبقى لها أيّ أثر، وما بعدها علمه عند علام الغيوب. لحظتها؛ يتأمّل المرء في نظرةٍ خاطفة، شريط عمره الفاني، قد يبتسم، قد يحزن، قد يبتلعه صمته، قد ومليون قد! الأمر الذي لا جدال حوله، ألا أمل أبداً في "تغيير" أي جزءٍ من ذلك الشريط الموشك بعد قليلٍ على طيّ سجله، جفّت الأقلام وطُويت الصحف.

كم أرهقنا أنفسنا وراء ما لم يكن ذا قيمة في ميزان هذه اللحظة المصيرية؟ وكم فوّتنا فرصاً لا يُقدّر ثمنها؟ ما الذي أعمى بصائرنا عن سرِّ جمال هذا الكون؟ جماله الأخّاذ في زمنٍ أطول يجمع المرء مع والديه في حياتهما، مع العائلة والأبناء، مع الأحبة والأقارب والأصدقاء. جماله الأخّاذ في تأمّل ما أنعم الله به على ابن آدم، ثم حمد وشكر مانحها الوهّاب الكريم. جماله الأخّاذ في صنع وإهداء معروف القول والعمل للآخرين، دون منّةٍ أو طلب مقابلٍ له. جماله الأخّاذ في تسخير العقل لأجل العلم والفكر وسعة الأفق، وتسخير القلب لأجل الحب والعطاء والرحمة والسلام. هل كان ما أعمى بصائرنا عن كل تلك الهبات الربانية شيءٌ يستحق؟

بقينا نهرول ونركض دون أدنى كلل خلفك أيها المال، السلطة، المنصب، الجاه، إلى آخر المتاع الزائل، ثم ماذا؟ كم دهستْ أطماعنا ونزعتنا لحب التملّك في طريقهما الواهم أجمل الهبات الربانية؟ ثم ما الذي جنيته أنت وأنا وهو وهي من كل هذا الصراع البائس؟ كم كنّا حمقى؟

كيف أنّ بعضنا باتَ سنواتٍ طويلة شبعانا ممتلئ البطن، وقريبه أو جاره أو كائن من كان في محيط علاقاته الزائفة، منهكاً هو وأسرته من الجوع والحرمان والبؤس؟ كيف أنّ بعضنا جمع من حطام الأرض ما جمع، ثم لم يزده ركامها إلا نهماً أكبر لانتزاع ما لدى الآخرين؟!

أنهك صاحب المال نفسه لهثاً وراء جمعه، وأفنى صاحب المنصب نفسه قلقاً على منصب ورقي، وجرى كثيراً ذلك العامل الأجير صباح مساء لأجل حفنةٍ من زادٍ بالكاد يسمن ويغني من جوع، كلٌ كان يسبح في فلكه الضيّق حول ذاته دون الآخرين! ها هي الأثقال بكل ما حملتْ تتهاوى عنْد حدِّ "عتبة العبور".

أيُّ أثرٍ جميلٍ تركته خلفك يا ابن آدم؟ هل زرعتَ يا صاحب السلطة ابتسامات عدلٍ وإنصافٍ وكرامةٍ لا تغيب شمسها عن محيا من تولّيت أمرهم؟ هل غرستَ يا صاحب المال بذور عطاءٍ لا تنقطع جذورها عن سقيا المحرومين والفقراء وأصحاب الفاقة؟ هل تركَ أي منّا أثراً عظيماً يعمّ بعطائه المخلص كل من كان في حاجته ذات يوم؟ إنْ كنت موظفاً أو معلماً أو عسكرياً أو أيّا ما كنت عليه، أنتَ أفضل وأصدق من يُجيب عن هذا السؤال، فلا تدع الإجابة تأتي لحظة وداعك عند "عتبة العبور"، عليك أنْ تجيب عن تلك الأسئلة الآن، ليكون لديك وقت كاف لإصلاح وتغيير ما يمكن تغييره إنْ ساءك منقلب جوابك!

حمّلك الله أيها الإنسان أمانة "خلافته" في الأرض، ووهبك قبلها لتكون أهلاً لها عقلك الرشيد، فهل سخّرت عقلك وكل ما وهبك الخالق لحفظ تلك "الأمانة"؟ أمْ أنّك فعلتْ العكس؛ فسخّرت في أنانيةٍ "الأمانة" لأجل خدمة ما هو في الأصل "هبةٌ" لك من ربك؟ فارقٌ بسيط جداً، إن هو اختلَّ اختلّت معه بقية موازين الحياة! ومن سيبقى له بصيصٌ من أمل إنْ هي اختلّتْ تلك الموازين؟ سيصبح العدل والعطاء وفعل الخير، وكلمة المعروف، ومكارم الأخلاق بما تقوم عليه من الصدق والوفاء والرحمة والإيثار، أؤكد أنّها ستتحوّل مجتمعةً إلى قطرة مطرٍ يتيمة في فصل صيفٍ حارق، لا ينتظرها إلا وحيداً أوشك على الهلاك واليأس. أو أنْ تستسلم موغلاً بقدميك وكامل جسدك وعقلك في وحْل ما أصبحتْ عليه الحياة، بعد أنْ اختلّت موازينها ــ كما أشرتُ أعلاه!

لست أنت أو أنا بالمسؤول عن ذلك الخلل الكبير في موازين الحياة إن هي اختلّتْ، مسؤوليتنا تنحصرُ فيما جرحته جوارحك من قولٍ أو عمل. أبحث فقط عن إجابةٍ تقنعك لحظة انتقالك عبر "عتبة العبور"، إجابةً ترفع بها "يمينك" يوم الحساب لتتلقى جواب خالقك، لا أنْ تجد "شمالك" تُرفع رغماً عنك فلا تتلقى إلا جواب الندامة والحسرة، ولن ينفعك حينها لا مال ولا بنون. أصلح نفسك أولاً، وروّضها مهما تمرّدتْ، على الصلاح، ابدأ بها قبل أيّ أمرٍ آخر، كنْ أنت قدوةً تدل الآخرين باتجاه النّور، وقف مع العدل والخير ومكارم الأخلاق، لا يعنيك أبداً حتى وإنْ اجتمعت الخليقة على عكس ذلك، وأحذر أن تنصّب نفسك قيّماً على غيرك من البشر، فلن تجيب بالنيابة عنهم لحظة العبور وما بعدها، إنّما سيكون السؤال والجواب حول ما جرحته جوارحك أنت فقط.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/03/15/article_833410.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.