بارت.. بارت.. تجارة الغش

تمادت الأنفس الضعيفة أمام شهوة المال إلى حدود تجاوزت كل ما يمكن التفكير فيه، والحديث هنا يتركّز على الأنشطة التجارية والخدماتية والصناعية، حتى هُيّئ لدى الكثير من التجار أو حتى من استهوته هذه المهنة، أنّه لا سبيل إلى تحقيق الأرباح الهائلة إلا إذا احترفت لعبة "الغش"، دون النظر إلى شرط الحلال من الحرام فيما يخص مصادر تلك الأموال!

قفزت تجارة الغش التجاري والتقليد من أكثر من 14 مليار ريال قبل خمسة أعوام وفقاً لتقديرات وزارة التجارة والصناعة، إلى أكثر من أربعة أضعاف هذا الرقم خلال العام السابق، قياساً على الجهد الكبير الذي بذلته ولا تزال تبذله الوزارة، ويكفي أن يزور القارئ الكريم الموقع الإلكتروني لوزارة التجارة والصناعة "صفحة الأخبار"، ليرى سلسلة الإعلانات الهائلة عن ممارسات وأصناف الغش التجاري الذي تم الوقوف عليها ومعاقبة مرتكبيها.

يُعد الاقتصاد السعودي ضمن أكبر عشرة اقتصادات مستوردة للسلع والخدمات على مستوى العالم، كما يعد ضمن أكبر خمسة اقتصادات حول العالم استقداماً للعمالة الوافدة من الخارج، وأمام ضعف أدوات الرقابة والمواصفات اللتين بدأتا بالتطوّر أخيراً، أؤكد أنها أمام تلك التحديات الجسيمة، لا بد أنّها ستكون أكثر عرضةً وانكشافاً أمام تجارة عالمية للسلع والبضائع المغشوشة، قُدّرت قيمتها في العام الماضي بأكثر من خمسة تريليونات ريال!

هل وقعنا ضحية "تاجر" لم يعد يهمّه إلا جمع الأموال بأيّ طريقة كانت؟ أم وقعنا ضحية "عامل وافد" تم التستّر عليه من "مواطن" لا خوف أو رادع لدى أيّ منهما بالتورّط في الممارسات القذرة للغش؟ ولماذا أمام حالة الجهود المخلصة التي بدأتها وزارة التجارة والصناعة مشكورةً، بدأت جحافل العديد من التجّار تقاوم بكل شراسة تلك الجهود الوطنية؟ أليس هذا في الأصل هو دور وزارة التجارة؟ ولماذا يقاومها بكل تلك الشراسة والتمرّد مجاميع من التجّار؟ ألا يدركون حجم المخاطر والمفاسد التي تترتّب على ممارساتهم المخالفة تماماً للشريعة والأخلاق والأنظمة المعمول بها في بلادنا؟ ألهذا القدر أصبح الوطن بكل مقدراته وأولها "المواطن وأسرته" رخيصاً أو لا قيمة له في ميزان اعتباراتهم التجارية والاستثمارية؟

أيّ بلاء وداء مهلك يريده البعض أن يحلَّ بنا، بدءاً من الأغذية والأطعمة مروراً بالسلع المتنوعة والأجهزة ومواد البناء وغيرها الآلاف من مختلف أنواع السلع والمواد الاستهلاكية، وانتهاءً بالسيارات والمعدات وبقية السلع المعمّرة؟! هل يريد أولئك التجّار ومن والاهم أو تواطأ معهم أن يبقى الاقتصاد السعودي على حدِّ تعبير أحد الرجال المخلصين لهذا الوطن "مردَم" لأسوأ سلع وصناعات دول العالم؟

بحكم اقترابي كثيراً مما يجري على أرض الواقع، أظهر المصنّعون خارج البلاد تجاوباً أكثر بكثير مما أظهره وكلاؤهم التجاريون لدينا. بكل الأسف أن الغريب البعيد كان أكثر تفهماً واستجابةً لطموحات الأجهزة الرسميّة لدينا بتطوير وتحسين المواصفات والمقاييس، من وكيله أو ممثله التجاري المنتمي إلينا! ولا أعمم هنا على جميع الوكلاء التجاريين إحقاقاً للحق، غير أنّه كان محزناً جداً ومؤسفاً إلى حدٍّ بعيد أنّ تلك الفئة من التجّار النزيهين كانوا هم القلّة.

يجب أن يدرك المواطن قبل التاجر حجم الجهود الكبيرة التي يتم بذلها في الوقت الراهن لأجل حمايته، تلك الجهود المخلصة من قبل الأجهزة الرسمية كافّة، في مقدمتها جهود الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة ومصلحة الجمارك ووزارة التجارة والصناعة والمركز السعودي لكفاءة الطاقة وغيرها من الأجهزة ذات العلاقة، أؤكد أنّ عليه إدراك أن لا جدوى كبيرة منها دون تعاونه معها، وأنّ عليه دورا ومسؤولية لا يقل حجمهما عن حجم المسؤولية الملقاة على عاتق كل جهازٍ من تلك الأجهزة، وأنّ عليه وضع يده بيدها لمحاربة أشكال الغش والتلاعب والممارسات التجارية المخالفة، فهو الضحية الأولى المستهدفة لكل تلك الممارسات الإجرامية، وهو أيضاً المستفيد الأول من نجاح جهود محاربتها!

كما يجب أن يدرك "التاجر" جيداً أنّ عهد اهتراء الرقابة وتطبيق العقوبات الصارمة على المخالفين، وضرورة الالتزام التام بالمواصفات والمقاييس وشروط الجودة قد ولّى إلى غير رجعة، فإمّا أن يلتزم مرغماً بلغة القانون والنظام، وإمّا أن يتحمّل نتائج مخالفته لأي فقرةٍ من موادها، حتى لو وصل به الأمر إلى إغلاق نشاطه التجاري أو الصناعي غير مأسوف عليه! تلك هي القاعدة الجديدة؛ إن رضي بها والتزم ببنودها كاملة فقد اشترى سلامته، وإن لم يرضَ بها، ورأى نفسه وجاهه فوقها فلا يلومنّ إلا نفسه الأمّارة بالسوء بعدها.

أخيراً، بالنسبة للأجهزة الرقابية ممثلةً في مصلحة الجمارك ووزارة التجارة والصناعة وتحديداً الإدارات المعنية بمواجهة عمليات الغش التجاري والتقليد، أؤكد أن أول أسلحة المواجهة الفاعلة مع تلك "الأنشطة السرية" لتلك العمليات هو الشفافية الإعلامية، فالمستهلك بحاجةٍ أكبر ليس إلى "الحماية" بل إلى "العناية" و"التوعية" و"التثقيف" بخطورة وحساسية تلك الأنشطة المخالفة للأنظمة سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الوطن بجميع اتجاهات كل منهما. ثم الفعالية القصوى في تطبيق القوانين والعقوبات الصارمة ضد كل من تسوّل له نفسه بارتكاب تلك "الجرائم" في حق مجتمعه ووطنه. ثم زيادة وتنسيق الجهود والأعمال التكاملية بين جميع الجهات الرسمية والأهلية المعنية "الغرف التجارية والصناعية والشركات الكبرى" في إطار مواجهة تلك العمليات المشبوهة للغش التجاري والتقليد، مع أهمية إشراك أفراد المجتمع في تلك الجهود من خلال المؤتمرات والندوات ووضع الجوائز القيّمة والتحفيزية لكل من يساهم في كشف وفضح تلك العمليات الإجرامية الخفية.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/03/12/article_832623.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.