وظائف حكومية «مخفية»

لم يعد خافياً على أحدٍ أنّ رواتب الموظفّين في القطاع الحكومي؛ أقلُّ ما يُقال عن أغلبيتها إنّها لم تعد تسمنُ ولا تُغني من جوع، ما ترك خلفه أكواماً من الترسّبات السلبيّة، ظلّتْ ولا تزال تنمو وتتسع. منها ما وقع بأثقاله العظام على أكتاف الموظف الحكومي، فأثقلتْ عليه في عناءٍ مرير مقابلته المستمرّة لأعبائه المعيشية المتناميّة "التضخم"، بل تُعدُّ جسيمةً جداً بالنسبة لمن هم في المراتب المتوسطة فما دون، كون رواتبهم هي الأدنى مقارنةً بمن هم في المراتب العليا نسبياً.

ذاك من جانب، ومن جانبٍ آخر انعكس هذا الأمر بالتأثير سلباً في إنتاجية الموظف، نتيجة تسرّب الإحباط إلى نفسيته، وارتفاع مخزون عدم الرضا الوظيفي لديه، وقد يزيد من ذلك المخزون السلبي إنْ تأخّرتْ ترقية الموظف حال استحقاقه لها، هذا على مستوى الموظف، فماذا على مستوى الأجهزة الحكومية؟

لقد تحوّلتْ بيئة العمل في أغلبية تلك الأجهزة إلى بيئات أعمالٍ طاردة، حيث خسرت الكثير من الموظفين المتميزين، الذين ما إنْ يبتسم الحظ لأحدهم بتوافر فرصةٍ أفضل في القطاع الخاص، إلا انتقل إليها دون تأخير، وفي الوقت ذاته وجدت تلك الجهات الحكومية نفسها في موقف تنافسي ضعيف مع القطاع الخاص، حرمها من المحافظة على الكفاءات المتميزة لديها، وحرمها أيضاً من المحافظة عليها لمحدودية خياراتها التحفيزية وانخفاضها، لتتورّط هي أيضاً بدورها في معضلة تراجع أدائها، وانخفاض إنتاجيتها تجاه مسؤولياتها ومهامها المتنوعة.

كيف واجهتْ قيادات تلك الأجهزة الحكوميّة هذه التحدّيات؟ هل عملتْ على تغيير هياكل الرواتب، وتطوير إجراءاتها ومعايير تقييم أداء موظفيها بما يتوافق مع إنتاجية كل موظف؟ هل ناقشتْ هذه التحديات مع كلٍ من وزارتي المالية والخدمة المدنيّة بهدف معالجتها، كما يبدو من الجمود الرتيب الذي غلب على الوضع العام في الأجهزة الحكومية؟ إن أيا من ذلك لم يحدث! فماذا قامتْ به إذاً العديد من الأجهزة الحكومية، التي نجحتْ "مؤقتاً" في استقطاب الكفاءات المتميزة – على افتراض أنّها فعلاً تتصف بتلك الصفة – سواءً من العمالة السعودية أو غير السعودية؟ وهو ما شهدته أروقة تلك الأجهزة الحكومية خلال السنوات الأخيرة، حيث تمكّنتْ العديد من الأجهزة الحكوميّة من توظيف عدد كبير من القيادات والمديرين برواتب تفوق كثيراً ما تمنحه كبريات منشآت القطاع الخاص، والحديث هنا عن رواتب قد تتجاوز الـ 100 ألف ريال وأكثر.

بالعودة إلى مختلف سلالم الرواتب الحكومية المحددة لدى وزارة الخدمة المدنيّة، فإنّك لن تجد على الإطلاق أيّا من تلك الرواتب المرتفعة خاضعاً لأي من تلك السلالم! فماذا قامتْ به تلك الأجهزة الحكومية لتنجح في القفز على "جمود" الرواتب الحكوميّة المقيّدة بأنظمة الخدمة المدنيّة؟ وهل اتسمتْ تلك "القفزة" بمعالجة المعوّقات البيروقراطية المذكور جزءٌ منها أعلاه، أمْ أنّها على العكس كرّستْها، وزادتْ من آثارها السلبيّة؟ وهل دفعتْ ببيئة أعمال تلك الأجهزة الحكومية إلى مزيدٍ من الرضا الوظيفي، والعدالة بين منسوبيها، أمْ أنّها جرفتها إلى مستوياتٍ أدنى من عدم الرضا، والتفاوتْ الأكبر والمجحف من حيث مستويات الرواتب والمزايا والمحفّزات؟

تشير التفاصيل إلى قيام تلك الأجهزة الحكومية بالتعاقد مع عددٍ من منشآت القطاع الخاص، تضطلع تلك المنشآت بدورها المحدد لها وفقاً لصيغ التعاقد بتوظيف القيادات والمديرين "سعوديين، غير سعوديين" وفقاً لرغبة الجهة الحكومية، ومن ثم يتولّى مهام منصبه وعمله في تلك الجهة الحكومية. بمعنى أنّ ذلك الموظف يتعاقد مع الشركة أو المؤسسة في القطاع الخاص، وفي واقع الأمر يكون مقر عمله الفعلي لدى الجهاز الحكومي، وكأنك أمام عملية تشغيل وإدارة للأجهزة الحكومية من خلال منشآت القطاع الخاص!

أصبح الموظّف الحكومي "التقليدي" وفق هذه الصيغة المستحدثة، واقعاً تحت ظروفٍ أسوأ من ذي قبل، فهو يؤدي مهام عمله ومسؤولياته الوظيفية مقابل راتبه المقيّد سلفاً بنظام الخدمة المدنيّة، وفي الوقت نفسه تجد زميله أو رئيسه في بيئة العمل ذاتها يقوم بالمهام نفسها أعلى منها أو أدنى حسب الحالة، ولكن لقاء راتبٍ يفوق الذي يتسلمه الموظف الحكومي بأضعافٍ كثيرة! وكلّما زادتْ تلك الفروقات في الرواتب، جاءت النتائج أكثر سلبيةً وتفاقماً على أرصدة الرضا الوظيفي والعدالة والإنتاجية لدى بقية الموظفين. وإذا كانت تلك التعاقدات ذات آثارٍ بالغة السوء في حال كان الأطراف المتعاقد معها من سعوديي الجنسية، فإلى أيّ درجةٍ يا تُرى سيكون سوؤها إذا كانت تلك الأطراف المتعاقد معها من غير السعوديين؟

إننا بصدد الحديث عن بيئة عمل حكومي تضم نحو 44.2 في المائة من إجمالي العمالة الوطنيّة في سوق العمل، أي نحو 1.15 مليون مواطن ومواطنة يعملون في القطاع الحكومي بنهاية 2013، ومثل هذه التعاقدات الكبيرة لا تبيّنها إحصاءات وزارة الخدمة المدنيّة، فهي لا تظهر إلا في إحصاءات وزارة العمل كونها المعنيّة بتوظيف العمالة عموماً في القطاع الخاص. كما لا توجد أية إفصاحات رسميّة حولها من أيّ جهةٍ من تلك الأجهزة الحكومية، ما يطرح بدوره علامة استفهامٍ كبيرة جداً حولها.

هل اطلع مجلس الشورى أو ديوان المراقبة العامّة أو هيئة مكافحة الفساد على أيّ من تلك التعاقدات؟ وإذا لم يحدث من ذلك أيّ إجراءٍ من تلك الأطراف الثلاثة تجاه الأجهزة الحكوميّة التي قامتْ بتلك التعاقدات، فإنّ السؤال يكون لماذا؟ ومتى سيتم ذلك؟ أليس هذا من أهم المؤشرات الدالّة على جمود أنظمة الخدمة المدنيّة، وتدنّي مستويات رواتبها؟ إنّ نتائج الحلول الاستثنائية أو الجزئية دون العمل الجاد على وضْع حلولٍ شاملة للمشاكل كافّة، تؤكد التجارب والدراسات أنّها ستكون وخيمة، وأنّها ستجرّ الأوضاع – بيئة العمل الحكومي هنا – إلى مزيدٍ من تفاقم مشاكلها وتشوهاتها! فهل سنرى تحرّكاً سريعاً من مجلس الشورى وديوان المراقبة العامّة وهيئة مكافحة الفساد قبل أن تتفجّر الآثار السلبيّة لما يحدث؟ أم ستنتظر حتى تتفجّر في وجه الاقتصاد الوطني والمجتمع؟ هذا ما ننتظر جميعاً الإجابة عنه من تلك الجهات، وتحديداً ما يتطلّع إليه بكل اهتمام 1.15 مليون موظف وموظفة في القطاع الحكومي .. فهل نرى الإجابة قريباً؟!

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/02/24/article_828118.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.