«الذكرى الثامنة» لانهيار سوق الأسهم

كتبتُ هنا في صحيفة "الاقتصادية" العدد 4888 حول الذكرى "الأولى" لانهيار سوق الأسهم المحليّة، ودوّنتُ في مقدمة مقالٍ بعنوان "26 فبراير 2006 في ذاكرة المستثمرين" ما يلي: "تتذكر إنجلترا 26 شباط (فبراير) 1797 أنّه اليوم الذي أصدرت فيه أول عملة ورقية في العالم، تمثلت في الجنيه! وتتذكر فرنسا التاريخ نفسه من عام 1815 أنّه اليوم الذي هرب فيه نابليون بونابرت من منفاه في جزيرة ألبا! وسنتذكر نحن السعوديين في التاريخ ذاته من عام 2006 أنّه اليوم الذي شهد ضُحاه الانهيار الأكبر في سوق الأسهم، تحطّم فيه سور الحوض المالي العملاق بـ 3.1 تريليون ريال".

اليوم ننهي العام الثامن من ذلك الانهيار العظيم، وندخل العام التاسع، فماذا طرأ على السوق المالية والاقتصاد الوطني عموماً منذ ذلك اليوم التاريخي حتى اليوم؟ ولماذا انهارتْ السوق المالية بتلك الصورة الكوارثية؟ وأخيراً السؤال الأهم والمتكرر: هل السوق المالية مجدية للاستثمار بعد كل هذه الفترة؟ أستحضرُ هذه الذكرى عاماً بعد عام، لأنّ آثارها السلبية ما زالتْ قائمة على أكثر من 3.5 مليون مستثمر "3.0 مليون مستثمر مباشر، 552.9 ألف مشترك بصناديق الأسهم المحلية"، أي نحو 80 في المائة من إجمالي عددهم في الوقت الراهن. توزّعتْ تلك الآثار السلبية ما بين خسائر هائلة في استثماراتهم، وتحمّلهم قروضا بنكيّة طويلة الأجل، ما زال بعض مديونيها يسددونها للبنوك حتى الساعة.

شهد أداء السوق خلال الفترة الأخيرة تحسّناً ملموساً، قلّص بدوره من فاتورة الخسائر الرأسمالية التي تعرّضت لها السوق إلى نحو 56.1 في المائة، كما انخفضتْ وتيرة المضاربات العشوائية بصورتها الشاملة مقارنةً بما كانتْ عليه قبل وأثناء الانهيار التاريخي "بلغ معدل دوران الأسهم 2006 أكثر من 429.2 مرة، وبلغ خلال 2013 نحو 78.1 مرة"، غير أنّها تركّزت فيما بعد الانهيار على الشركات الصغيرة "أغلبها في قطاع التأمين"، التي أُدرجت بأكملها طوال الفترة ما بعد الانهيار. أحاول أنْ اختصر الحديث قدر المستطاع على الرغم من ضخامة "الملف"، كي نصل معاً إلى فائدةٍ حقيقية من الفتح المتكرر لهذه الذكرى المؤلمة.

الآن آتي للإجابة عن السؤال الأول أعلاه، فأقول ليستْ مبالغةً القول إنّ الوضع العام لم يطرأ عليه الكثير من التغيير المؤدّي إلى زيادة عمْق السوق وارتباطه بالاقتصاد الوطني، فلا تزال مساهمة الشركات ذات الجدوى المدرجة في السوق أقل بكثيرٍ مما هو خارج منصّة تداوله، فلم تضف نحو 85 شركة تم إدراجها بعد الانهيار أيّ قيمة اقتصادية نوعية، لا على مستوى أرباح السوق، ولا توظيف العمالة الوطنية، ولا المساهمة في تنويع القاعدة الإنتاجية، بل على العكس تماماً! كون نسبة كبيرة منها أضاف مزيداً من مخاطر السوق، وصلتْ إلى إيقافها عن التداول، واحدة منها على وشك تصفيتها تماماً، وهذا حديثٌ طويل يستحق إفراد أكثر من مقال وتقريرٍ حوله.

أمرٌ آخر؛ لا تزال شريحة كبار الملاك ومنها الصناديق الحكومية، تسيطر على ستة أعشار أرباح السوق، وهي النسبة ذاتها حينما تقارن بين عامي 2006 و2013، على الرغم من التراجع المحدود في ملكية الأصول المدرجة من 58.0 في المائة 2006 إلى 55.0 في المائة بنهاية تداولات أمس الثلاثاء.

بالنسبة للسؤال الثاني، فحتى تتمكّن من إيجاد إجابةٍ شافية عليه، يتوجب عليك القيام بتفكيكه إلى ثلاثة أسئلة محورية؛ هي على النحو التالي: (1) ما أسباب الصعود الكبير للسوق خلال الفترة الممتدة من مطلع 2003 حتى 25 شباط (فبراير) 2006 "940 يوم عمل"؟ (2) ما أسباب انهيار السوق في 26 شباط (فبراير) 2006 بتلك الصورة المدوية؟ (3) لماذا استمرَّ انهيار السوق طوال الفترة الممتدة من 26 شباط (فبراير) 2006 إلى يومنا هذا التي بلغ "2010 أيام عمل"؟

تتطلب الإجابة عن الأسئلة الثلاثة دراسةً مطوّلة "نشرتها سابقاً"، ولكن باختصارٍ شديد؛ بالنسبة للسؤال الفرعي الأول يمكن القول إنّه نتج عن الاكتتاب في شركة الاتصالات السعودية والعوائد القياسية التي تحققت للمكتتبين آنذاك، اجتذبت السوق انتباه أفراد المجتمع بصورةٍ مدويّة، ليرتفع عدد المتعاملين في أقل من ثلاث سنوات من 77.9 ألف متعامل إلى ثلاثة ملايين متعامل مباشر لحظة الانهيار "51 ضعفاً" خلال تلك الفترة القصيرة! مقابل عددٍ محدودٍ من الشركات زاد من 68 شركة إلى 78 شركة فقط، تزامن مع وفوراتٍ هائلة في السيولة وزيادة إقراض الأفراد، زاد من احتقان السيولة الهائلة في السوق، أدّى لارتفاع أسعار الأصول إلى مستوياتٍ قياسية لم يسبق لها مثيل. وقفتْ أمام هذا المشهد الدراماتيكي الجهات المعنيّة موقف المتفرّج كافة، حتى صدر تقرير IMF "مشاورات المادة الرابعة للاقتصاد السعودي لعام 2005" محذّراً ومنذراً.

أمّا إجابة السؤال الفرعي الثاني، فقد قرأتْ الأجهزة الاقتصادية والمالية توصيات IMF، ثم حاولت تنفيذها بصورةٍ غير مدروسة لتقع في فخ "الحلول المتأخرة" ولاحقاً "العلاج بالصدمات"، ولكن هيهات بعد فوات الأوان! حيث صدرتْ ضوابط اتفاقيات التمويل الاستهلاكي البنكي نهاية 2005، ثم بدأ ضخ الاكتتابات، لكن بعد اتخاذ السيولة لباب الهروب دون عودة، واستمرّت الحالة دون أي مراجعة حتى تاريخه!

أخيراً إجابة السؤال الفرعي الثالث؛ أقول إن الجهاز المالي والاقتصادي وقع تحت تأثير "وهم" فكرة "السوق خاضع لقوى العرض والطلب"، عبارةٌ لم تقم لها أي قائمة في السوق لا قبل الانهيار ولا حتى بعده، كان من أخطر نتائجها الوقوف موقف المتفرّج أمام الاختلال الحقيقي للسوق! في الوقت الذي كان مفترضاً ممارسة جميع المهام والأدوار والمسؤوليات التنظيمية لتحقيق التوازن والاستقرار، دون التدخّل المباشر في تلك القوى، كان المأمول قبل وبعد الانهيار أن تعمل باستمرارٍ على توفير البيئة المناسبة، التي تكفل فعلياً عدالة وتكافؤ القوى "العرض، الطلب" وهو أمرٌ مختلف جذرياً عن تحديد اتجاه وقوة أيّ من القوتين! وهو ما حدث قبل وبعد الانهيار! فقبله تُركت القوى على علاتها، وبعده تم التدخّل برعونةٍ في تحديدها! وكلا "الفعلين" نتيجته دون شك لم تجنِ إلا الفشل!

ختاماً؛ هل السوق المالية مجدية للاستثمار بعد كل هذه الفترة؟ نعم وفي كل وقتْ! لكن شرْط أن تضع ثروتك في شركاتٍ مجدية استثمارياً، لديها القدرة على تحقيق الأرباح وتنميتها، وأنْ تحتل توزيعاتها الفصلية أو السنوية كنسب إلى الأسعار السوقية مقدّمة الشركات المدرجة.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/02/26/article_828656.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.