السلاح الفاتك بالفساد

ما أقوى أسلحة القضاء على الفساد ومحاربته؟ هل هي القوانين التي تجرّمه، ومن ثم لا يبقى إلا تنفيذها بحزم وجدية؟ أم أنّه يتمثّل في زيادة الرقابة والمراجعة والمحاسبة؟ أم في إنشاء العديد من الأجهزة الرقابية، أو زيادة الصلاحيات الممنوحة لما هو موجود لهذا الغرض؟ أم في كل تلك الأدوات مجتمعة؟ ليست هذه الأسئلة إلا قشّاً في حطب آلاف الأسئلة التي تدور في خلد أغلب المراقبين والمختصّين.

قد تكون تلك الأدوات والإجراءات العديدة شرطاً لازماً للتفوق في مواجهة العدو اللدود لأي اقتصاد ومجتمع "الفساد"، ولكن يا ترى ما هو الرابط المشترك بينها، أو الأساس الوحيد اللازم توافره لأي منها، الذي في غيابه لا يمكن أن يقوم لأي من تلك الأدوات قائمة؟ إنّه بكل اختصارٍ المتمثّل في "المعلوماتية".

كلّما توافرت البيانات والإحصاءات اللازمة حول الأنشطة كافّة، وانتظمت في النشر والإفصاح، إضافةً إلى توسّعها وشمولها للتفاصيل كافّة، كلّما ضاق الخناق تماماً على رقاب المتورّطين في أي مخالفاتٍ أو تجاوزتٍ مجرّمة، وفي الوقت ذاته تزيد فعالية الأنظمة والقوانين، وتزيد أيضاً فعالية الرقابة والمحاسبة. أين تنشأ الرغبة الأولى لإحداث "الفساد" إن لم تكن في عتمة الظلام والجهل وغياب المعرفة؟

لا تقف فعالية وحتمية سلاح "المعلوماتية" عند مجرّد الكشف عن كل ما يجري على أرض الواقع، بمعنى أنّها ليست فقط مفيدة فيما يلي مراحل ارتكاب الجرم والمخالفة للأنظمة واختلاس الأموال! بل إنّها تقف سدّاً منيعاً للمراحل التي تسبق نوايا توريط البلاد والعباد في رزايا "الفساد"، ذلك أنّ الشفافية التي توفّرها المعلوماتية العالية ستضيّق الخناق على متصيدي الثغرات. فهي من جانبٍ تسهّل كثيراً من مهام الأجهزة الرقابية، حكوميةً كانت أم ممثلةً في المؤسسات المدنية للمجتمع كالإعلام والمنشآت البحثية، أو حتى ممثلةً في أفراد المجتمع، كما تلعب المعلوماتية دوراً محورياً في مضاعفة قوة الرقابة، وتكثيف أعداد من يراقب المشهد العام! ويكفي هنا أن يصطف في هذا الجانب من المراقبين ملايين الأفراد كلٌ حسب اهتمامه ومركزه.

لست آتي بجديدٍ هنا؛ فما أدوّنه لا يتعدّى مجرّد التذكير بما قد يكون ضعف تذكّره من أغلب المعنيين بمحاربة ألد أعداء الاقتصادات والمجتمعات على حدٍ سواء "الفساد"، وأنّه مهما أطلقنا المئات من الصلاحيات والقرارات والإجراءات تحت مظلّة غياب البيانات والإحصاءات أو قصورها، فإنّ كل ذلك لن يجدي نفعاً على الإطلاق، بل قد تراه يزيد من تعقيدات المواجهة مع هذا العدو اللدود، ويرجّح "يده الغادرة" فيجعلها هي العليا وما سواها ترزح تحتها ضعفاً وعجزاً واستسلاماً.

لا بد من التذكير أن الشفافية، وارتفاع سقف المعلوماتية ونشر البيانات كافّة، وانتظام نشرها، والتوسّع في تفاصيلها، أؤكد أنّ جدواها لا تقف عند مجرّد محاربة الفساد، والنجاح في القضاء عليه في مهده قبل أن يتشكّل! بل تتعدّى كل ذلك بمسافاتٍ بعيدة! لعل من أهم ما سيأتي من ثمراتٍ يانعة تحت سقفها الواضح والدقيق، عدا كونها السلاح الأكثر فتكاً بالفساد ومعاوله المهلكة، ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: أنّ تكلفة المعلوماتية والعمل على تطويرها مهما بلغت من أرقام، تظل أدنى بكثيرٍ من تكلفة غيابها! وهو الأمر الذي أثبتته تجارب الأمم والبلدان قبل أن تثبته الدراسات المتخصصة "درهم وقاية خير من قنطار علاج".

ثانياً: أنّ المعلوماتية ستسهم كثيراً في تشخيص التحديات والفرص كافة على حدٍ سواء، ما يساعد المخططين الاقتصاديين والمهتمين والمختصّين على تصميم برامجهم وخططهم على بيّنةٍ من الأمر، وهو ما سيّفضي عبر المستقبل في سدِّ ثغرات تفاقم أي من التحديات الراهنة، أو المحتمل نشوؤها مستقبلاً، ويمنع من تحولها إلى أزمات قد لا يجدي معها اتخاذا أي حلولٍ مهما كلّفت بلغة المال والجهد.

ثالثاً: تُعد المعلوماتية الأداة الأكثر فعالية – إن لم تكن الأداة الوحيدة – في سياق تقييم كفاءة أداء الأفراد والمؤسسات كافّة، فبناءً عليها يمكن التعرّف على درجة ومستوى أداء أيّ متغير من متغيرات الاقتصاد والمجتمع، بدءاً من الفرد وانتهاءً بالأجهزة والمؤسسات. يمكن بالاعتماد عليها تحديد الأهداف وقياس المتحقق منها وغير المتحقق، ومن ثم التعرّف بدقةٍ أكبر على نسبة الإنجاز أو الفشل، وفي ضوئها يتم اتخاذ القرارات الأنسب والأدق. كما أنّها تعتبر شرطاً صريحاً للتمييز بين الكفء وغير الكفء على المستويات الإدارية والقيادية كافة، بواسطتها يمكن التعرّف على الصالح للبقاء من عدم الصالح، ويمكن التعرّف على نقاط الضعف والخلل، وهل يجدي إصلاحها أو استبدالها.

رابعاً: أنّ المعلوماتية تسهم بفعالية كبيرة في رفع كفاءة الأداء والإنتاجية، التي بدورها تحقق الهدف الرئيس من استغلال الموارد المتاحة على أفضل وجه، وفي الوقت ذاته تخفّض من حجم هدر الأموال والموارد، ولا يُعلم في هذا السياق حتى تاريخه؛ كيف لأي بلدٍ من البلدان يمكن أن يدير موارده المتاحة على أحسن وجه، دون أن تتوافر لديه البيانات والإحصاءات الكافية لاتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة!

خامساً: ترتقي المعلوماتية لأن تكون "الفيصل" الدقيق بين الأطراف كافّة، فهي التي توفّر بدقة وحيادية وموضوعية القدرة على الحكم والتقييم والنقد والدفع تجاه أي قضيةٍ من قضايا العباد والبلاد، فالرقم أو المؤشر أو المعدّل المنشور، يعتبر أيا منها "معلومة" لا تقبل التأويل على أكثر من وجهٍ أو هوى! ومن ثم لا يوجد من ينافسها في ميدان الصراع بين الأطراف كافّة، مهما تعددت الرغبات والأهواء.

ختاماً، أوجّه من خلال هذا المقال رسالةً قصيرة إلى كلٍ من مجلس الشورى وهيئة مكافحة الفساد وديوان المراقبة العامة، أنّ على تلك الجهات مسؤولية العمل الدؤوب والكبير على أهمية رفع مستوى نشر البيانات والمعلومات المرتبطة بعمل الأجهزة الرسمية كافّة، والانتظام التام في نشرها، بالسرعة والدقة والتفصيل اللازمة لكل منها، وهو ما سيكون فيه تحقيق الخير والصلاح، ومنع الفساد ودرئه عن مصالح بلادنا وأهلها.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/03/10/article_831932.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.