حارس أمن يعمل 96 ساعة أسبوعيا

لفتَ انتباهي “حارس أمن” لأحد محال التجزئة الكبرى في الرياض حين دخولي، فقد بدا عليه الإعياء الشديد، واحمرار عينيه، ووقوفه بالكاد مستنداً بظهره إلى الجدار. سألته: هل تشتكي من شيء أخي الكريم؟ أجاب بصعوبةٍ بالغة: خلّها على الله يا ابن الحلال، والله أنا رأسي مصدّع ومنهك جداً. أجبته “بحسْن نيّة”: يعني أنت مريض؟ لماذا لم تأخذ إجازة مرضية من عملك؟ رد عليّ ساخراً: تريدهم أنْ يخصموا عليّ من راتبي؟ ويستطرد قائلاً: إذا غبتُ عن العمل بعذر أو دون عذر، سيُخصم من راتبي الكثير. استأذنته بدافع الفضول: وكم راتبك؟ أجابني: راتبي 1800 ريال، مقابل ثماني ساعات يومياً لستة أيام في الأسبوع، وكي أرفع راتبي بناءً على أوامر الشركة أعمل 16 ساعة يومياً لستة أيامٍ في الأسبوع، ليصبح راتبي 3600 ريال في الشهر! اختتمتُ أسئلتي قبل أنْ أودّعه: وماذا عن بقية زملائك العاملين معك؟ وهل أغلبيتهم سعوديون؟ أجابني: كلنا سعوديون، والجميع وضعهم مثل وضعي، ولا يوجد لدينا بدل سكن، ولا بدل نقل، ولا تأمين طبّي، ولا أي علاوة سنوية.

أجر حارس الأمن

إنّها قصّةٌ مستقطعة من واقع سوق العمل لدينا، تتحدّث عن واقع العمالة الوطنيّة في أكثر النشاطات تحقيقاً لمعدلات التوطين “الحراسات الأمنيّة”، تشمل نحو 178 منشأة تعمل في هذا النشاط، يُقدّر العدد الإجمالي للعمالة المواطنة حسب آخر التقديرات في هذا النشاط “مضافاً إليه حرّاس الأمن لدى الشركات الكبرى”، أنّه يتجاوز سقف 200 ألف مواطن “أي نحو 18 في المائة من إجمالي العمالة الوطنية في القطاع الخاص بنهاية 2012″.

يوشك مجلس الشورى على إنهاء العام الثالث من عمر تأجيل مناقشة مشروع “الحراسات الأمنية”، كما صرّح بذلك رئيس لجنة الشؤون الأمنية في المجلس، وأنّ “مشروع تعديل نظام الحراسة الأمنية المدنية الخاصة” الذي قدّمه كعضوٍ للمجلس قد تكرّر وضعه على جدول الأعمال أكثر من مرة، لكنه لم يناقش طوال السنوات الماضية. يحقُّ لأكثر من “خُمس مليون مواطن” يعملون في سوق العمل “نشاط الحراسات الأمنيّة”، أنْ يتساءلوا عن سرِّ هذا الإهمال والتأخير سواءً من قبل مجلس الشورى، أو من قبل وزارة العمل؟

ما أبعد الواقع المرير الذي يعيشه أكثر من 200 ألف عامل مواطن في “نشاط الحراسات الأمنيّة” حتى عما نصَّتْ عليه مواد نظام العمل المعمول به الآن، وما أبعد واقعهم المؤسف حتى عن المطالب الأخيرة بخفض ساعات العمل الأسبوعية إلى 40 ساعة عمل. لماذا لم تشهد تلك الشريحة من المواطنين العاملين في “نشاط الحراسات الأمنيّة” أيّ اهتمامٍ يُذكر من قبل وزارة العمل؟ هذا سؤالٌ بالغ الأهمية، لا أحد يملك الإجابة الشافية عنه سوى تلك الوزارة! أيّ بيئة عمل قاسية الظروف كهذه البيئة في “نشاط الحراسات الأمنيّة”، التي تجبر العامل على العمل لـ 96 ساعةٍ خلال الأسبوع، وبأجر ساعةٍ لا يتجاوز الـ 9.38 ريال للساعة، أي بانخفاضٍ بلغتْ نسبته 40 في المائة عن حد الأجور المعتبر في معدلات التوطين “نطاقات”؟ ولماذا تُحرم تلك الشريحة المواطنة من البدلات النظامية “بدل السكن، بدل النقل”؟ ولماذا لم يوّفر لها التأمين الطبّي أسوة بغيرها من بقية الفئات العاملة بغض النظر عن الجنسية؟ ولماذا تُحرم من العلاوات السنوية “بعض العاملين في هذا النشاط أمضى أكثر من 15 عاما دون أية علاوة سنوية في أجره”؟

إنّ مما يزيد من الحيرة والأسف؛ أن الحديث هنا لا يقف فقط عند أكثر من “خُمس مليون مواطن” يعملون في “نشاط الحراسات الأمنيّة”، بل إنّه يمتد أيضاً على مستوى المخاطر المحيطة به إلى الهشاشة والضعف الكبيرين، اللذين يعانيهما نشاط يُفترض أنّه المسؤول الأول عن توفير الأمن اللازم للمنشآت التي يتولى حمايتها! فكيف يمكن ضمان عدم اختراق تلك الحماية “الهشّة” بأيسر السبل والحيل، وأقلّ الإغراءات المادية؟

لقد أعادتني هذه القصّة المؤلمة إلى قصةٍ أكثر إيلاماً، حينما دخل على أحد الصيدليات “حارس أمنٍ” لأحد فروع البنوك قبل نحو ستة أعوامٍ، حيث قطع حديثي مع الصيدلي متسائلاً ذلك الحارس: هل بالإمكان شراء حبتي بنادول فقط؟ لأنّه لا يملك قيمة العلبة كاملة! وكانتْ حالته الصحيّة من مظهره البالغ الإنهاك والتعب، أكثر سوءاً مما بدا عليه صاحب القصّة المشار إليها في مطلع المقال. ليست هاتان القصّتين إلا أقل من قشّةٍ تكاد لا تُذكر في ركامٍ عملاق الحجم من الفوضى والإهمال الذي يعانيه “نشاط الحراسات الأمنيّة”، وكما يتأكّد منهما قياساً على الفترة الزمنية بين الحادثتين، أنّ هذا النشاط بالغ الحساسية والأهمية على المستوى الأمني، وعلى المستوى الإنساني والنظامي بدرجةٍ أكبر، أؤكد أنّه كما يبدو لم يطرأ عليه أية إصلاحاتٍ أو تحسينات تُذكر طوال تلك الفترة، وهو ما يزيد من أهمية الأسئلة المطروحة أعلاه على كل من مجلس الشورى ووزارة العمل.

هل ينتظر أيٌّ من المجلس أو الوزارة حدوث كارثةٍ -لا قدّر الله- ليتحرّك في الوقت الضائع، نحو إصلاح تلك التشوّهات الخطيرة؟ ألا تُدرك الجهتان أنّهما في مواجهة أحد أهم النشاطات التي تتولّى أمن وحماية بنوك وشركات ومحال؟ ألا تُدركان المخاطر الوخيمة المترتبة على أي اختراقٍ أو فشلٍ لـ “نشاط الحراسات الأمنيّة”؟ نقولها جميعاً؛ إننا لا نريد إجاباتٍ بقدر ما أننا في انتظارٍ مُلح وعاجلٍ، لإصلاحٍ -على وجْه السرعة- كل تلك التشوهات التي يعانيها هذا النشاط والعمالة المواطنة فيه.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/02/12/article_824933.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.