أعلى المخاطر الأمنية اقتصاديا

لم ولن تتوقّف دلائل المؤشرات الاقتصادية والمالية عند حدِّ كونها مجرّد أرقامٍ صمّاء، ولا حتى مجرّد أرقامٍ تلوكها ألسِنةَ الاقتصاديين وكتاباتهم، ولا حتى مجرّد أرقامٍ تجلجلُ بها تصريحات القيادات الاقتصادية والمالية! بل تحملُ في أعماقها ما يتجاوز حدود تلك التصورات الضيّقة بالكثير جداً من الأبعاد والحقائق غير المحدودة، ومن أهمّها الجوانب الأمنيّة، التي تعتلي قمّة الأولويات في أي مجتمعٍ واعٍ، سعى ويسعى على الدوام إلى اتخاذ التدابير اللازمة لحماية أمنه من المخاطر المحتملة كافّة، مهما كان حجم أو مستوى أو مصدر تلك المخاطر.

يرتبط الاقتصاد بالأمن، والعكس أيضاً صحيح. فلا يمكن أن يقوم وينهض أي اقتصادٍ متين دون توافر الأمن. وكذا الحال بالنسبة للأمن؛ فلا يمكن أن تتحقق الشروط الكفيلة بتوطيد عُراه اللازمة والمنيعة دون وجود اقتصادٍ، ينبض بالنمو والعدالة والنزاهة والفرص المتساوية أمام الجميع دون تمييز. ولا يوجد أيّ عناءٍ يُذكر لإثبات تلك الحقيقة والارتباط الوثيق بين الطرفين، فالشواهد قائمة من حولنا على المستويين الإقليمي والدولي، تراها العين المجرّدة، وتقرأُ تفاصيلها ساعةً بساعة.

يأتي التذكير هنا بها؛ لا لأنها غائبة على وجه الإطلاق بالنسبة لنا، ولكن لأجل إعلاء ترتيبها المتأخّر نسبياً إلى الدرجة الواجب أنْ تكون متربعةً عليها، وفي رأيي الشخصي أنه يجب ألا تحتل تلك الحقيقة أقل من المرتبة الأولى! فما يشهده العالم المعاصر من زلازل وأزماتٍ هائلة الأحجام، امتدتْ آثارها التدميرية إلى إلحاق أشدِّ الأضرار والهلاك بالمجتمعات والحكومات على حدٍّ سواء، لو بحثتَ بحْث الباحث عن الحقيقة؛ لوجدتَ أنّ العامل الاقتصادي كان واقفاً كأثقلِ الأسباب وراء كل تلك الأزمات، هذا إنْ لم يكن هو العامل الوحيد!

بناءً على ما تقدّم، يقتضي الأمر أنْ يُعاد تأسيس وبناء وصياغة أنظمتنا وإجراءاتنا وآليات أعمالنا في الحقل الاقتصادي والمالي بما يتم الحديث عنه هنا، وهذا بحد ذاته يُعد مشروعاً وطنياً عملاقاً، يتطلّب جهوداً أكبر بكثير مما سبق أنْ عرفته البلاد، وأنماطاً من الإدارة والقيادة والتنفيذ والتنسيق والمتابعة والمراجعة، تختلف تماماً عن كل ما عهدناه. أحثُّ كل من يقرأ هذا المقال من المسؤولين والمتخصصين على أن يسهم في إثراء التفكير حوله، وتقديم رؤاه الملهمة في هذا الاتجاه المصيري، فلا يوجد من يزعم أنّ لديه القدرة منفرداً على تأسيس وتقديم مثل هذا المشروع العملاق، بل لا بد من أنْ تتكاتف العقول المؤهلة حوله، لتعمل وفق آلياتٍ سلسةٍ على إعادة رسْم وتصميم الأنظمة والسياسات والبرامج الاقتصادية والمالية، التي تكفل في كل مستوياتها ضمان سلامة العلاقة بين الأمن والاقتصاد، مع عدم الإخلال بالبقية المهمّة أيضاً من الاعتبارات الاستراتيجية الأخرى، غير أنّها وفقاً للتحديات المعاصرة التي يشهد العالم اليوم نتائجها على أرض الواقع، تؤكّد وقائعها وتجاربها المريرة؛ أنّ تلك الاعتبارات الاستراتيجية كافّة يجب ألا تتقدّم بأي حالٍ من الأحوال على العامل الأمني، وأنْ يتم العمل منذ اليوم على تكييفها لأجل الاستقرار الأمني، لا العكس كما جرتْ عليه التجارب الدولية السابقة، التي تفجّر فشلها الكبير في وجْه العديد من المجتمعات والدول كأزماتٍ مدمرة، قذفتْ بها في فوهة الدمار والتمزّق والهلاك دون أدنى رحمة، مكتفياً بهذا القدر من الحديث عن الجانب النظري من موضوع المقال، الذي كان ضرورةً إيضاحية لما سيأتي في هذا المقال وغيره من المقالات القادمة، آملاً أن يكون قد أوفى بهذا الجانب لدى القارئ الكريم.

لن أكون أول من يقول إنّ للأزمات الاقتصادية التي نواجهها مخاطر عديدة، وفي مقدّمتها المخاطر الأمنيّة، غير أنّه لا بد من التحذير قبل أنْ أتطرَّق على عجلٍ لعددٍ من تلك المخاطر، أؤكّد التحذير ممن يهوّن لأي سببٍ كان من تلك الأزمات الاقتصادية، وأنّها ليست كما يتصوّره الكاتب وغيره، أو حتى كما يتصوّرها أغلبية الأفراد الذين يعانون الأمرّين منها! ففي هذا "تخدير" غير مسؤول على الإطلاق أمام تلك التحديات والأزمات، لن يجدي نفعاً تداركها لاحقاً إنْ تفاقمتْ أكثر مما هي عليه اليوم، إذ إنّ السمة الأخطر لأي أزمةٍ مهما كانتْ، أنّ نطاقها المدمّر يتسارع في الاتساع إذا لم يجد ما يحدّ منه في وقتٍ استباقي لأي تطورٍ من تطوراتها.

الآن؛ من الذي يستبعد وجود أيّة مخاطر أمنيّة عالية للبطالة، الفقر، أزمة السكن، زيادة المديونيات على الأفراد، التضخم، انخفاض المستويات اللازمة والكفاءة بالنسبة لمجالات كل من التربية والتعليم والصحة والخدمات البلدية والطرق والنقل، تأخّر وتعطّل تنفيذ المشروعات الحكومية، تفشّي أوجه الفساد، زيادة الاحتكار والحد من المنافسة، تفشّي أشكال اقتصاد الظل من تستّرٍ تجاري وغيره، الاستهلاك المفرط لمواردنا من الطاقة الناضبة، امتلاء أسواقنا المحلية بأسوأ السلع المغشوشة تجارياً، وأخطرها من الجانبين البيئي والصحي، وأقلّها مواصفات من حيث كفاءة استهلاك الطاقة، إلى آخر مكونات خيارات الحياة المعاصرة؟ ومن الذي يُنكر أنّ تلك المخاطر المتعددة يُغذّي بعضها البعض؟ ومن الذي يُنكر أنّ حتى غياب المؤشرات الرقمية الحقيقية الدّالة عليها، أو محاولة إخفائها أو تغييرها تضليل، له مخاطره الوخيمة التي لا تقل عن إنكار وجودها؟

تفشي البطالة بين الشباب، عماد أي مجتمع، يعني إهداءهم "لقمةً سائغة" على طريق المخدرات والجريمة والإرهاب. وتفشّي الفقر، ليس إلا منحدر إلى هاوية التهميش والجريمة والرذيلة والمرض والجهل والعجز لأي مبتلًى به. وتفشّي المديونيات على سماءات الأفراد ومن تحت أقدامهم، لانخفاض مستويات دخولهم، والزحف الصامت للتضخّم عليهم، ليس إلا تفكيك مدمّر للطبقات الاجتماعية كافّة ولا يقف فقط عند الطبقة المتوسطة الدخل، عدا تفكيكه الأكثر تدميراً لأهم عُرى الاستقرار الأمني والاجتماعي والأخلاقي، وأن تتحول رغماً عنها لأكبر "زبون" لأسوأ السلع والخدمات المنتشرة في كل حدبٍ وصوبٍ من أسواقنا المحلية. وقسْ على بقية المخاطر الأخرى المذكورة أعلاه على سبيل المثال لا الحصْر.

أؤكدها هنا وكلّي خوفٌ وحذر؛ إنّه الملف الأخطر الواجب مواجهة حقائقه بكل أمانةٍ وشجاعة وموضوعية، واعداً بالكتابة عنه مراتٍ أخرى وفقاً لكل جزءٍ منه، متمنياً على قادة الفكر والرأي؛ أنْ يجد منهم كل الاهتمام لما فيه تحقيق وحماية مصلحة بلادنا العزيزة وأهلها الأجلاء.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/02/10/article_824249.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.