العقار.. اقتربت ساعة الصفر

لنسلّم جدلاً بأن الأسعار الراهنة للأراضي، التي تعتبر قياساً على متوسط دخل الأفراد، مرتفعة جداً، أقول لنسلّم بأنّها لن تتراجع، بل ستستمر في الارتفاع وفقاً لتوقعات ملاكه والمتاجرين بثرواتهم الهائلة فيه، ولنتجاهل مؤقتاً أنْ ليس لهذا الارتفاع سقفٌ يقف عنده.

الأسئلة الآن: هل خدم هذا السيناريو "الجميل" بالنسبة للعقاريين الاقتصاد الوطني؟ هل تحقق للاقتصاد الوطني أي قيمة مضافة حقيقية طوال العقد الأخير، من جرّاء ارتفاع متوسط قيمة المتر المربع بأكثر من 800 في المائة؟ أمْ أنّ هوامش الأرباح انحصرتْ فقط في جيوب ملاكه محدودي العدد؟ هل كان لتلك الارتفاعات القياسية أي تداعيات سلبية على بقية أفراد المجتمع، أمْ أنّها على العكس؛ عمّتْ بنفعْها البعيد قبل القريب؟ وإذا كانتْ الإجابة عن السؤال الأخير السابق ترجّح تفاقم الآثار السلبية على حساب الآثار الإيجابية؛ فما تلك الآثار السلبية؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن يصل تهديدها وخطرها، على مختلف المستويات الاجتماعية والاقتصادية والأمنيّة؟ ومن جانبٍ آخر، هل العوامل التي استندتْ إليها تلك الارتفاعات القياسية، عوامل اقتصادية بحتة؟ أمْ أنّ هناك عوامل أخرى لعبتْ دوراً أكبر خلْف تلك الارتفاعات، كالاحتكار أو شحّ فرص الاستثمار الحقيقية، أو غير ذلك من الأسباب التي يمكن نسبتها لواقع التشوهات الهيكلية الجاثمة على السطح وفي العمق الاقتصادي المحلي؟ وغيرها من الأسئلة التي يتجاوز مجرّد سرْدها مساحة هذا المقال.

لا شكّ أنك ستستمع إلى إجابات متباينة تماماً عن تلك الأسئلة، تختلف حسب "المصلحة" أو "الضرر" وفقاً لحالة صاحب الإجابة، فلا يمكن أن تتفق إجابة الملاك والمستثمرين في القطاع العقاري مع إجابة الباحثين عن مجرّد تملّكِ قطعة أرض أو مسكن! وستجد لدى كل طرفٍ من الطرفين "سلّةٍ" من الحجج والأسباب، لا تمتُّ بينهما أي صلةٍ، استغرق منّا الجدل والنقاش حوله أكثر من خمسة أعوامٍ مضتْ، جاءتْ النتيجة لمصلحة العقاريين بفوزٍ كاسح، مقابل هزيمةٍ ساحقة للاقتصاد الوطني والمجتمع على حدٍّ سواء! هل ستستمر السيطرة المطلقة للطرف الأول طويلاً، أمْ ستبدأ كفّة الاقتصاد والمجتمع في تذوّق حلاوة الفوز لأوّل مرة؟

قبل الإجابة؛ أؤكّد أنّ ما وصلنا إليه من حالةٍ اقتصادية واجتماعية على مستوى السوق العقارية، والصعوبة الكبيرة جداً التي يواجهها المواطن بعدم قدرته على تملّك مسكنه الخاص، أؤكّد مجدداً كشهادةٍ تستهدف حماية مقدّرات البلاد والعباد؛ أنّها لا تحمل في جعبتها إلا شروراً مستطيرة، وأنّ استمرارها بوضعها الراهن سيأتي بما لن تُحمد عقباه على المستويات كافّة، ما يقتضي بالضرورة القصوى أنْ يتم التعامل مع هذه التشوهات والمخاطر الجسيمة بكل حزْمٍ وجدية، وأنْ نعود جميعاً إلى المربع الأول لهذه الأزمة الحقيقية، التي أصبحتْ واحدةً من أخطر الأزمات المهددة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني، المربع الأول المتمثل في "احتكار الأراضي" ولا سواه، واجتذابه "السهل" لتخزين الثروات الميسور جداً مقابل شحّ الفرص الاستثمارية البديلة! لنواجهه بالحلول المثلى، وألا يستمر تجاهل هذا المربع من حزمة الحلول المقترحة، وإدراك أنّ نتيجة تجاهل هذا "المربع" لم تفضِ إلا إلى مزيدٍ من تفاقم الأزمة، واتساع دائرة شرورها إلى حدودٍ أدّتْ إلى إفشال كافّة الجهود الأخرى، وإهدار مئات المليارات من الريالات دون أيّ حلٍ يُذكر.

صدرتْ طوال الخمسة أعوامٍ الماضية إعلانات وتصريحات لعددٍ من الجهات المسؤولة، عن قرْب صدور نظام فرض الزكاة على الأوعية العقارية، ارتفعتْ معها الآمال بقرب "حل" جزءٍ من ملف الأزمة! وتوالتْ الحلول والقرارات، غير أنّها ذهبتْ جميعها في مهبِّ الريح، ومضتْ وتيرة الأسعار ترتفع متحديةً الجميع دون استثناء، واتسعت معها رقعة الأزمة العقارية، بل تعمقّتْ أكثر من السابق. هل غلبتْ "يد" العقاريين العليا "يد" القانون؟ هل نجحتْ في تأجيل وتعطيل تلك القرارات المرتقبة؟ الإجابة وفقاً لما هو على أرض الواقع تقول "نعم".

لم يكن استمرار وتيرة الارتفاع في أسعار الأراضي والعقارات طوال الأعوام الخمسة الماضية "نجاحاً" في توقعات من رأى أنّها سترتفع، فهي لم تستند ولم تعترف لحظةً واحدة بالسبب والعامل الحقيقي وراء تلك الارتفاعات المتمثل بالمربع الأول "احتكار الأراضي، وكونها المخزّن للثروة دون أدنى تكلفة". ولم يكن أيضاً "فشلاً" في توقعات من رأى أنّ وتيرة الأسعار ستبدأ في التراجع، كونها ربطتْ توقعاتها بتحقق ونفاذ أدوات الحلول المحاربة لاحتكار الأراضي، وبما أنّ تلك الأدوات ظلّتْ محبوسةً مشلولة، فمن أين سيأتي التراجع في الأسعار؟

هكذا تبدو الصورة ضبابية، وستظل ضبابيةً يدفع ثمنها الباهظ جداً الاقتصاد والمجتمع، في المقابل لا يجني ذلك الثمن إلا شريحةً ضيقة. هل ستستمر؟ أم ستصدق قبل نهاية العام الجاري الوعود الحكومية بقرْب إصدار "نظام الغرامات على احتكار الأراضي" و"النظام الجديد للزكاة" الذي سيضم إلى أوعيته الأوعية العقارية؟ إنْ حدث الاحتمال الأول؛ فإننا سنكون على مواعيد جديدة من أشكال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر خطورةٍ مما نحن عليه الآن، ولا يُعلم أبداً هل سيكون بالإمكان احتواء آثارها الأخطر أمْ لا؟ وكم ستكون تكلفة تفاقمها وحلولها في المستقبل؟ أمّا إن حدث الاحتمال الثاني؛ فلا شكّ أنها ستكون بمثابة الضربة القاصمة لظهر هذه الأزمة المفتعلة، ومما يبدو أنّها هي الأقرب ـــ بمشيئة الله ـــ قياساً على ما بدأنا نشهده من زيادةٍ لعروض البيع في مدينة الرياض، في مواقع كنّا نسير بجانب "صمتها المهيب" فارغةً إلا من فضائها الواسع، تبدّلتْ عناوين اللوحات عليها من "أرض خاصة" إلى "الأرض للبيع"، ما يُشير إلى أنّ صدور الأنظمة الجديدة المرتقبة أصبح وشيكاً جداً، وكما يبدو أنّه ما تأكّدتْ حقيقته لدى ملاك تلك الأراضي الشاسعة، إلا ما جاءتْ الساعة التي تغيرت فيها عناوين اللوحات المعلقة على أراضيهم المنيعة. فصبرٌ جميل أيها المواطن الباحث عن سكن، وإنّي معك من الصابرين.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/02/08/article_823739.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.