تاريخ صلاحية معالي الوزير

تلك سنّة الله في خلقه، أن يأتي على المرء منّا حين من العمر، يبدأ فيه النقص بعد الزيادة، وينهكه الضعف بعد أن تغذّى بالقوة، ولا يبقى له من بعد إلا الباقيات الصالحات، جعلها الله لها جميعاً. لخّص الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي جزءاً يسيراً من تلك السنّة الإلهية، في مطلع قصيدته "رثاء الأندلس": لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ .. فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ .. مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ.

تمضي سُنّة الله هذه على الجميع، لا تستثني أحداً من ناموسها الرباني، وليست حكراً على من عنونتُ به المقال هنا "معالي الوزير" فقط. أستحضرها هنا على "معالي الوزير" كونه من أكثر الشخصيّات تأثيراً في حياة غيره من البشر على مستوى أي مجتمعٍ بشري، إنْ نجحَ وتفوّقَ وأدّى الأمانة التي على عاتقه، رأيتَ نتائج تميّزه بنفس الدرجة أو أعلى على محيطه ومجتمعه، تقف كمنجزاتٍ حقيقية تشهد له أمام الله ثم وطنه ومجتمعه. أمّا إنْ قصّر أو فشل في الوفاء بأداء المهام والمسؤوليات الموكلة إليه، فسترى آثار تأخّره تكسو بسوادها القاتم المرابع من حوله، لتقف شاهدةً عليه.

من هنا تبرز أهمية القضيّة، فكما يتبيّن لنا أن نتائج النجاح أو الفشل، ستنصبُّ فوراً على أطرافٍ أخرى تتجاوز الحدود الشخصيّة. وحينما تكون الشخصيّة هنا بوزن "وزير" فالأطراف الأخرى في هذا السياق، تتمثّل في مقدراتٍ ومكتسباتٍ عليا، تتجسّد مجتمعةً في وطنٍ بأكمله. وبناءً عليه، لا مجال على الإطلاق للمجاملة أو المماطلة تجاه خطوة "الإصلاح" قبل أن يتفاقم الخطر، وضرورة الإسراع باتخاذ القرار الأنسب، للمحافظة على المصالح العامّة والخاصة على حدٍّ سواء، ليتم على الفور اتخاذ القرار بعد الفحص الدقيق لأسباب الفشل، فإذا كان القرار المرجّح هو إعفاء "الوزير" فليكن، ويُستبدل بشخصٍ آخر تتوافر لديه المؤهلات اللازمة لذات المنصب.

يتركّز نجاح الأمم في تحقيق نهضتها على عددٍ من المرتكزات الرئيسة، لعل من أبرزها وأهمّها ما أتحدّث عنه هنا، أن تتمتع قياداتها بالعديد من السمات الأساسية؛ الكفاءة اللازمة والقدرة والتأهيل والقوة والأمانة والنزاهة والرؤية الملهمة والذكاء. قياساً على ما أشرتُ إليه أعلاه، تخضعُ بعض تلك السمات كالقوة والقدرة والكفاءة لسُنّة الله، فيأتي الضعف بعد القوة، وتتقلّصُ القدرة، وتنخفض الكفاءة. لهذا يتم تصميم المعايير اللازمة والصارمة، لمتابعة ومراقبة وتقويم أداء تلك القيادات بصورةٍ دورية ومنتظمة، وتقديم نتائجها الفعلية في تقارير دقيقة وواضحة إلى صاحب الصلاحية، وبناءً عليها تسير الأمور، إمّا بالإبقاء على تلك القيادات أو بعزلها دون تأخير. وكلّما ارتفعت الدرجة أو المرتبة الوظيفية لتلك القيادات، زادت أهمية تلك المعايير المصممة لأجل متابعة ومراقبة وتقويم أداء تلك القيادات دورياً وبانتظام.

بمثل هذه الدورة القيادية والإدارية العليا، التي تقوم بصورةٍ أساسية على معايير جادة وصارمة، تخضعُ لها كافّة القيادات وصولاً إلى مرتبة "الوزير"، تؤكّد تجارب الأمم والدول السبّاقة في سلّم الحضارة، أنّه لم يكن مقدّر لها أن تمسك بزمام التفوق والتقدّم لولا توافر تلك المعايير الصارمة، على أنّ نماذج تلك المعايير تختلف من بلدٍ إلى بلدٍ آخر وفقاً للأنظمة والأعراف السائدة لديها، إلا أنّها لا تختلف على الإطلاق من حيث اشتراط توافر السمات الأساسية التي أشرتُ إليها أعلاه.

التجربة لدينا قد تحملُ شيئاً من تلك التجارب الأُممية، غير أنّها، قياساً على المستجدات والتغيرات التي جرت وتجري الآن في بلادنا، والضرورة القصوى التي فرضها ارتفاع سقف المنافسة بين الأمم والدول في عالمنا المعاصر، ودخولنا ككيانٍ له وزنه الثقيل في الميزان الدولي ضمن سباقٍ حضاري محموم الخطوات مع غيرنا، وقياساً قبل كل ذلك على ارتفاع درجات الوعي لدى أفراد مجتمعنا، وزيادة طموح شبابه على وجه التحديد نحو مزيدٍ من المشاركة الفاعلة في بناء الوطن، أؤكّد أنّه قد آن الأوان في الوقت الراهن، لأن تتطوّر تلك التجربة بما ينسجم تماماً مع المتغيرات الداخلية والخارجية.

ما هي الصورة المأمولة لتلك التجربة؟ إنّها هنا لا تتعدّى المنظور العام، الخاضع دون أدنى شكٍّ لاجتهادات الكاتب، والذي آمل أن يشارك الجميع في بناء تصوراته التفصيلية، لعل في مقدمتها الجهات العليا في بلادنا، والتي يحتل تفكيرها المنصبّ على تحقيق مصلحة بلادنا ومجتمعها الخيّر، أؤكد أنّه يحتل المرتبة الأولى التي لا ينافسها أيّ أمرٍ آخر.

أقول إنّ هذا المنظور العام المتعلّق بتجربتنا مع اختيار وتعيين وإعفاء القيادات، يجب أن يقوم على تحديد معايير صارمة ومعلنة للجميع، تأخذ بعين الاعتبار منح الفرصة العادلة والمتساوية لكل فردٍ ينتمي لهذه البلاد، وأن تتشدّد فيما يتعلّق بالسمات اللازمة للقيادات المرشحّة كالكفاءة اللازمة والقدرة والتأهيل والقوة والأمانة والنزاهة والرؤية الملهمة والذكاء، وأن يتم تحديد "عُمْر" افتراضي لبقاء أيّ من تلك القيادات في منصبها، كأن لا يتجاوز ثمانية إلى عشرة أعوام، مع الأخذ في الاعتبار "عُمْر" المرشح لأي من تلك المناصب القيادية، وأن يتم تحديد الجهة التي ستتولّى القيام بدور متابعة ومراقبة أداء تلك القيادات، والرفع بتقارير أدائها إلى صاحب الصلاحية، ومنح تلك الجهة الصلاحيات والاستقلالية الكافيتين واللازمتين.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/02/05/article_822897.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.