مخاطر التأخير والتضليل في نشر البيانات الاقتصادية

كما أنّ المؤشرات والإحصاءات الصحيحة والدقيقة المنتظمة النشر، تسهم في معرفة الأداء الاقتصادي، وبناءً عليها يتم اتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة! فإنّ المؤشرات والإحصاءات غير الصحيحة وغير الدقيقة، عدا أنّها تسهم في "تحريف" الصورة الحقيقية التي يقف عليها الأداء الاقتصادي، فإنّها أيضاً "وهو الأخطر" تسهم في زيادة تفاقم التشوهات الاقتصادية، وتعرقل دون أدنى مسؤولية من مُصدري تلك المؤشرات في تعسّر التحديات الاقتصادية القائمة، لتحوّلها في الأجلين المتوسط والطويل إلى أزمات بالغة التعقيد والخطورة.

كما يزيد من سوء الأمور، وينحرف بها إلى ما لن تُحمد عقباه، أنّ انتشار تلك المؤشرات الاقتصادية واستمرار نشرها عبر الفترات الزمنية الدورية، سيمتدُّ أثرها السلبي حتى إلى التأثير في المؤشرات الاقتصادية السليمة والصحيحة! تماماً كتأثير التفاحة الفاسدة في بقية التفاح الصالح.

لا مجال آخر أمام مثل تلك الإحصاءات والمؤشرات، إلا التصدّي لها بكل حزم ومسؤولية، وأنْ تتم المراجعة والمحاسبة على أية أخطاء قد ترتكب في هذا السياق، سواءً كانتْ تلك الأخطاء ناتجة عن قصد أو دون قصد. ذلك أنّ ترْكها على حالتها تلك غير الصحيحة، من شأنه أنْ يؤدي إلى إلحاق أفدح وأبلغ الآثار السلبية المدمرة بالموارد والمقدرات الاقتصادية والمالية، وأنْ يقود مختلف الجهات المعنية بتلك البيانات والمؤشرات إلى التورّط في إمّا قرارات غير صحيحة على الإطلاق، أو اتخاذ إجراءات معاكسة للأهداف المفترض تحققها، أو إلحاق الخسائر والأضرار بمن اعتمد عليها ظنّاً منه بسلامتها وصحتها.

من أمثلة تلك البيانات والمؤشرات؛ التضارب القائم في الوقت الراهن في إحصاءات وبيانات سوق العمل، فكما بيّنتُ في مقالات سابقة، أن أعداد العمالة الوافدة تعاني تضاربها وعدم دقتها عبر ثلاثة أجهزة حكومية "وزارة العمل، وزارة الخدمة المدنية، مصلحة الإحصاءات العامّة والمعلومات"، أضف إليها معدل البطالة "وهو الأهم"، حيث يختلف اختلافاً كبيراً بين الاعتماد على عدد العاطلين الصادر من مصلحة الإحصاءات العامّة والمعلومات، وبين الاعتماد على مثيله الصادر من وزارة العمل من خلال صندوق الموارد البشرية "هدف" بالاعتماد على أعداد المستفيدين من مكافأة حافز، وهم العاطلون عن العمل فعلياً. هذا عدا تأخّر نشر البيانات الخاصة بسوق العمل في القطاع الخاص، وتحديداً من قبل وزارة العمل، وقيامها أخيراً بعدم نشر العديد من البيانات المهمّة جداً المتعلقة بالتأهيل العلمي للعاملين في القطاع الخاص على سبيل المثال لا الحصر.

أيضاً من الأمثلة القائمة؛ ما يصدر من فترة إلى أخرى عن وزارة الاقتصاد والتخطيط من بيانات تتعلق بنسب ملكية المواطنين للمساكن، ونوعيتها، ومدى توافر الخدمات البلدية لديها، التي تعد من أبرز البيانات الغائبة، ويشوبها كثير من التضارب وعدم الدقة. إضافةً إلى بقية المؤشرات الغائبة عن النشر من توزيع ملكيات الأراضي على المواطنين، وحجم الفجوة الإسكانية، وعدم الدقة التي تشوب المؤشرات المعبرة عن درجة التنوّع في القاعدة الإنتاجية، إضافةً إلى غياب مسوحات إنفاق الأُسر السعودية، وتوزيعها حسب قدرتها على الإنفاق، والتحديات الجسيمة التي تواجهها "آخر مسح للإنفاق كان عام 2006".

أيضاً من الأمثلة القائمة؛ ما يصدر من هيئة السوق المالية من ارتفاع لتأثير تداولات الأفراد، وأنّها المسيطرة على تعاملات سوق المال بأكثر من 93 في المائة، في حين أنّ الواقع على أرض الواقع مختلفٌ تماماً عما تفصح عنه الهيئة، ذلك أنّ نسبة ملكية كبار الملاك في السوق "لمن يمتلكون 5 في المائة فأكثر" تصل إلى 57 في المائة من القيمة الرأسمالية للسوق، بل تسيطر على نحو 59 في المائة من أرباح وتوزيعات السوق المالية، ولو أُضيفت نسب كبار الملاك من هم دون الـ 5 في المائة إلى ما فوق الـ 2 في المائة من أسهم الشركات المدرجة، فإن النسب السابقة ستفاجأ الجميع، وتكشف حقيقةً على ضعف تأثير الأفراد وصغار المتعاملين في السوق، وهو ما سيقلب الطاولة تماماً حول الكثير من المفاهيم المغلوطة حول تعاملات السوق، خاصةً فيما يتعلق بالمقولة غير الصحيحة حول ضعف تملك الاستثمارات المؤسساتية في السوق، التي تقتضي إعادة تعريفها بصورة تأخذ بعين الاعتبار الوضع القائم في سوقنا المالية.

والكثير من الأمثلة التي يصعب تضمينها هنا، يمكن القول عنها أنّها تمسُّ جميع مهام ومسؤوليات مختلف الأجهزة الحكومية المعنية، منها ما يعتريه التأخير في النشر، ومنها ما يعاني عدم الشفافية والنشر، ومنها ما يعاني عدم الدقة والصحة حال نشرها والإفصاح عنها، والكثير من المعوقات والعراقيل المؤدية إلى إعدام الفائدة منها.

إننا في حاجة ماسّة إلى قرار إلحاقي آخر بقرار مجلس الوزراء الموقر رقم 76 الصادر في الخامس من ربيع الأول 1422هـ، الذي نصَّ بموافقته على نشر البيانات الاقتصادية والمالية وغيرها بشكل دوري منتظم أولاً بأوّل، وأن يتم التنسيق بين الأجهزة الحكومية المعنيّة بشأن نشر تلك البيانات، وأن تقوم الأجهزة الحكومية باستكمال إنشاء قواعد معلومات متكاملة عن البيانات الاقتصادية والمالية وغيرها المتعلقة بالمملكة، ومتابعة تحديثها. يتركّز هذا القرار على ضرورة انسجام وتوافق البيانات الاقتصادية والمالية المُصدرة، وإزالة التضارب فيما بينها إنْ وجد، وتحميل الجهة المصدرة لأي بيانات أو مؤشرات غير دقيقة أو غير صحيحة المسؤولية القانونية، كما يؤمل أنْ يحمل هذا القرار الإلحاقي المطلوب إلزام الأجهزة الحكومية المعنيّة بسرعة نشر البيانات التي لديها، وعدم تأخيرها، ذلك أنّ العديد من تلك الأجهزة يتأخّر في إصدار ونشر البيانات اللازمة لفترات تتجاوز العام إلى العامين أو أكثر، وأن تُلزم تلك الأجهزة الحكومية المعنيّة بنشر جميع البيانات والإحصاءات اللازمة دون استثناء، ذلك أنّ عدداً منها يتعمّد عدم نشر بعض البيانات المهمّة جداً، التي يؤثّر إخفاؤها سلباً في قياس ومعرفة الكثير من الجوانب الاقتصادية البالغة الأهمية، ولا يمكن أن يستقيم في غيابها التحليل الاقتصادي الدقيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/01/29/article_820837.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.