تخصيص الرياضة .. بين الاستثمار والإفلاس (2 من 2)

قبل أنْ أستعرض الخطوات المقترحة لإنجاح مشروع "تخصيص الرياضة" في بلادنا، لا بد من التأكيد على أهمية تأسيسه وسط بيئة للعمل الشبابي والرياضي أكثر تنظيماً من وضعه الراهن، لعل من أهم محاورها: (1) توافر الأنظمة والتشريعات التي تكفل حماية الأطراف ذات العلاقة بالمشروعات الاستثمارية المزمع تأسيسها، وعدم تضاربها مع أية أنظمة أو مصالح أخرى. (2) يقتضي نجاح تلك المشروعات، أنْ يعاد تأسيس مفهوم الأندية الرياضية على أرض الواقع، لتشمل مجالاتٍ أكثر اتساعاً مما هي قائمة عليه في الوقت الراهن منحصرةً في الأنشطة الرياضية "كرة القدم أكثر تحديداً"، وأن تضطلع بأدوارها الاجتماعية والتربوية والترفيهية اللازمة لفئة الشباب "ذكوراً، إناثاً"، ما يتطلب منها تقديم خدماتها في تلك المجالات بأسعار رمزية جداً للشباب "أو حتى مجانية". (3) يتطلب تطوير الحراك الشبابي والرياضي لدينا، زيادة أعداد الأندية من جهة، ومن جهة أخرى زيادة الإمكانات والموارد المالية بدرجة تكفل لها النجاح في احتضان شباب الوطن، والقدرة على دعم مواهبهم المتعددة، وتنميتها وتشجيعها. ولهذا أنوّه إلى أنّ المشروع الاستثماري المقترح، يرمي إلى إيجاد أندية سعودية أوسع في مفهومها من واقعها الراهن.

يُشترط لإنجاح مشروع تخصيص الأندية، أنْ تتحول إلى منشآتٍ تتوافر لديها القدرة على تحقيق الربح، ولكي تتوافر لديها تلك القدرة، لا بد من امتلاكها أصولا ذات جدوى استثمارية، هذه قاعدة استثمارية لا يمكن القفز عليها، وبقدر ما كانتْ معلومة لدى كافّة الأطراف الرياضية، إلا أن ترجمتها واقعاً كان مدخله مجهولاً أو مستعصي الحل! يأتي هذا المشروع المقترح هنا لتأسيس هذا المدخل، وحلِّ شفرته المستعصية.

بدأتْ فكرة المشروع بنهاية 2008، وحاولتُ أن أدخله حيّز الوجود كواقع في 2009 إبّان كنتُ عضواً في مجلس إدارة النادي الأهلي، غير أنّ فرصتي لم تكتمل بكل أسف، ثم أُتيحت الفرصة لي مع مجلس إدارة نادي الهلال في 2010، ورغم ترحيب الإدارة في البداية، إلا أنه أيضاً لم يكتمل ليتحوّل إلى واقع كنتُ أتمنى مجرّد ولادته، لإيماني بأنّه سيحظى بفرصة تكراره في بقية الأندية. عملتُ طوال الفترة الماضية على إعادة تطوير فكرة المشروع، لتتبلور في هيئتها المقترحة والمختصرة جداً هنا.

يقوم هذا المشروع الاستثماري على تأسيس شراكة استراتيجية بين الأندية والشركات الاستثمارية المرخصة من هيئة السوق المالية، تؤهل هذه الشراكة نظامياً لتأسيس منتجات وصناديق استثمارية ذات عوائد، يتم تقاسم عوائدها المتحققة "بعد خصم رسوم إدارة شركات الاستثمار" بين: (1) الممولين لتلك الصناديق "الحكومة ممثلة في صندوق الاستثمارات العامّة، أعضاء الشرف، القطاع الخاص، الجمهور". (2) الأندية المستفيدة. مع وجود خيارين أمام الممولين بالنسبة لتلك العوائد، الأول: أنْ يتنازل الممولون عن أرباحهم بالكامل لمصلحة الأندية مع حق احتفاظهم بملكية أصل الاستثمار، وسيتضح بعد قليل ما هو العائد طويل الأجل المتوقع تحقيقه بالنسبة لهم. الآخر: أنْ يتنازل الممولون عن نسبة من أرباحهم لمصلحة الأندية "تتعدد خياراتها كالتالي: 25 أو 50 أو 75 في المائة".

يتم توظيف رؤوس الأموال المستثمرة في قنوات الاستثمار المحلية كالسوق المالية، أو السوق العقارية، أو تأسيس شركات، تنتهج في نشاطها آلية عمل الشركات القابضة، بحيث تتركّز على الشركات ذات العوائد والتوزيعات الأفضل، وفي المجالات الاستثمارية الواعدة، ولا يُغفل في هذا السياق الإيجابيات المتوقعة لضخ تلك الاستثمارات، ودورها الرئيس في زيادة فرص العمل الملائمة للباحثين عنها من الشباب أنفسهم.

تأتي لاحقاً المرحلة الثانية "بعد خمسة أعوام على أقل تقدير" من تقييم المراكز الاستثمارية للأندية (الأصول المادية للنادي، والأصول الاستثمارية)، التي ستتولى مهمتها شركات الاستثمار المرخصة كمستشار مالي للنادي، تمهيداً لتخصيصها وطرحها للاكتتاب، تبدأ بتحويل حصص الممولين إلى أسهم في رأس مال النادي بعد تقييم مركزه المالي.

تفترض فكرة المشروع في مرحلتها الأولى، أنْ تشمل جميع الأندية حسب تصنيفها في الدرجات الثلاث "الممتازة، الأولى، والثانية"، وأنْ تُلحق بها أندية بقية مناطق المملكة التي ليست ضمن تلك الدرجات، لتعامل معاملة أندية الدرجة الثانية نفسها، كما سيتضح. يتم اعتماد تنفيذ فكرة المشروع وفق خطّة زمنية لا تتجاوز الأعوام الخمسة، تتولّى الحكومة "صندوق الاستثمارات العامّة" ضخ تمويلها الاستثماري في تلك الصناديق حسب الآتي: أندية الدرجة الممتازة بـ 500 مليون ريال، أندية الدرجة الأولى بـ 250 مليون ريال، أندية الدرجة الثانية وأندية المناطق الجغرافية الأخرى بـ 100 مليون ريال، يضاف إلى ذلك التمويل الحكومي الاستثمار المتوقع من بقية شرائح الممولين "المستثمرين" ممثلاً في أعضاء الشرف، القطاع الخاص، الجمهور.

يُتوقع وفقاً للتقديرات أعلاه، أن يتحمّل صندوق الاستثمارات العامّة ممثلاً للحكومة نحو 13 مليار ريال، وأن يصل حجم التمويل المتوقع من بقية شرائح الممولين "المستثمرين" الآخرين خلال عامين إلى ثلاثة أعوام إلى نحو 40 في المائة من حجم التمويل الحكومي في المتوسط "قد يأتي أقل أو أعلى من تلك النسبة المذكورة، حسب قدرة أعضاء شرف وجماهيرية الأندية"، ما يرفع إجمالي حجم الاستثمارات تقديرياً إلى أعلى من 18 مليار ريال. وبالنظر إلى المستوى الراهن للعوائد الموزّعة في كل من السوقين المالية والعقارية، الذي يتأرجح بين 6 و8 في المائة، فإن آفاق الاستثمار الرياضي هنا موعودة خلال الأعوام الخمسة الأولى مع عوائد تناهز 1.3 مليار ريال سنوياً، يتوقع أن تتنامى مستقبلاً مع التطوّر والتنوّع المتوقع لبقية مصادر دخل الأندية إعلامياً وإعلانياً، وهو مجالٌ يطول الحديث فيه كثيراً.

ختاماً، لا يوجد أهم من الاستثمار في أهم مكوّنات المجتمع، المتمثّل في شبابه الذي يُشكّل أكثر من خُمْسه! علماً بأنّ المشروع المقترح هنا لا يتحدث عن دفع لأموال لن تُسترد، مؤكّداً أنّ أهم وأغلى عوائده طويلة الأجل، من خلال تعزيز قدراتهم ومهاراتهم، والبناء الخلاق لشخصياتهم، وحمايتهم من شرور البطالة والفقر والجريمة والضياع والإرهاب، وبقية المخاطر التي أصبحتْ معلومة لدى الجميع.

بل إنني أشدُّ على يدِ كل منتمٍ إلى هذا الوطن، بأنْ تُضخ أموال أكثر مما ذُكر أعلاه إذا اقتضتْ الحاجة، وهل هناك استثمارٌ يوازي في أهميته القصوى، أهمية الاستثمار في أعز وأغلى ما تمتلكه بلادنا الغالية، ممثلاً في شبابها؟!

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/01/27/article_820181.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.