تخصيص الرياضة .. بين الاستثمار والإفلاس (1 من 2)

على الرغم من الأهمية التي يتسمُ بها ملف "تخصيص الرياضة السعودية"، كونه يرتبط بصورةٍ مباشرة بأكبر شريحةٍ في المجتمع السعودي وأسرعها نمواً، إلا أنّه لم يُقابل إلا بأبطأ خطوات العمل والتطوير، كما لم يؤخذ بالقدر الكافي من الأهمية اللازمة لأجل تحقيق أهدافه النهائية، والوصول بها إلى الغايات الإيجابية المأمولة منها.

تُقدّر شريحة الشباب "ذكوراً وإناثاً" بنحو 4.3 مليون نسمة وفقاً للتعداد السكاني 2013، أي بما يُشكّل نحو 21 في المائة من إجمالي السـكانِ السعوديين، ويُقدّر أن يرتفع عدد الشباب خلال عشرة أعوامٍ قادمة إلى أكثر من 5.2 مليون نسمة بحلول 2025. وكما أنّها الشريحة الأكبر بين السكان، فهي أيضاً الشريحة السكانية الأسرع نمواً في المجتمع طوال الفترة 1992 – 2013، بنسبةٍ بلغت سنوياً نحو 3.5 في المائة في المتوسط، وهو معدل نموٍ أعلى من متوسط النمو السكاني البالغ 2.4 في المائة للفترة نفسها.

لستُ أبالغ في القول، إنّ تحليل وتناول موضوع "الاستثمار الرياضي والتخصيص" قد شابه الكثير من الضبابية وعدم الوضوح وتدنّي الدّقة، وما زاد من آثاره السلبية أنّه مرتبطٌ بصورةٍ مباشرة بالثروة الأغلى لأي مجتمع إنساني ممثلاً في الشباب، الذين يمثلون المورد التنموي الأهم للوطن، ما يقتضي بالضرورة وضعه في أعلى سلّم الأولويات الإنمائية على المستويات كافّة، بدءاً من تسهيل وتوفير فرص التعليم والتدريب والتأهيل بأعلى درجات الكفاءة، مروراً بالترويح واستثمار وقت الفراغ، وانتهاءً بتمكينه من المشاركة في مستقبله القريب، من المشاركة الفاعلة في إدارة مقدرات بلاده، وتوفير فرص العمل الملائمة والكريمة لكل فردٍ من تلك الشريحة الثمينة.

قبل أن أتوسّع بالحديث في هذا الموضوع، لا بد من الإشارة إلى أهمية أن تنطلق جميع الرؤى والمقترحات المتعلقة بالشباب السعودي من أرضيةٍ مشتركة، ومتفق عليها من قبل كافّة ذوي العلاقة. الجميل هنا أنّ هذه الأرضية المشتركة توشكُ قريباً على الظهور، وتتمثّل في "الاستراتيجية الوطنية للشباب"، لعل من أهمِّ ما ورد في محاورها الثمانية الرئيسة ما نصّت عليه في محورها الخاص بالترويح واستثمار وقت الفراغ، الذي تركّز على ضرورة توفير الأنشطة الترويحية النوعية في جميع المجالات الاجتماعية والثقافية والرياضية، وذلك من خلال عنصر كفاية الأنشطة والمرافق الترويحية والرياضية، وتمكين الشباب بجميع فئاتهم وطبقاتهم الاجتماعية، وأماكن سكنهم، وذوي الاحتياجات الخاصة من استثمار الفراغ، وممارسة هواياتهم واستثمار وقت فراغهم بإيجاد الفضاء والبيئة الملائمة لتشجيعهم على المشاركة في أنشطة شبابية ترويحية منسجمة مع ميولهم واهتماماتهم.

أعتقد أنّ هذه الاستراتيجية إنْ رأت النور قريباً، ستكون خير ما يملأ مكان الحلقة المفقودة إزاء جميع الأطروحات والحوارات المحلية حول تطوير "الرياضة السعودية" تحديداً، وبصورةٍ عامّة كل ما يمسُّ اهتمامات وتطلعات الشباب السعودي. يؤمل بصورةٍ جادة أن يستند إليها كافّة المتخصصين في الشأن الاقتصادي والمالي والقانوني، من ذوي العلاقة بجوانب الاستثمار الرياضي والتخصيص، وأن تحتل هذه الاستراتيجية المساحة الأكبر من الأرضية التي نحاول جميعاً تأسيسها؛ سواءً للاستثمار والتخصيص، أو لأي جوانب أخرى تتعلق بالشأن الشبابي والرياضي. لماذا؟ الإجابة بكل بساطة؛ لكي نرى جميعاً نتائج ملموسة على مستوى الشباب بصورةٍ عامّة، ولكي نلمس جميعاً إنجازاتٍ حقيقية على مستوى الرياضة محلياً بصفةٍ خاصة، التي تتضمن في جانبيها مشاريع عملاقة، ومن ضمنها المشروع الاستثماري الذي سأطرحه هنا في مجال "الاستثمار الرياضي والتخصيص"، آملاً أنْ يحظى باهتمام الجهات الرسمية ذات العلاقة، وأنْ يرى النّور قريباً لما فيه من النتائج الإيجابية على مستوى الشباب والرياضة في بلادنا.

أؤكد لبيان ما ذكرته أعلاه من ضبابيةٍ وعدم وضوح وتدنّي الدّقة، رافقتْ في عشوائيةٍ تناول وتحليل ملف "الاستثمار الرياضي والتخصيص"، كان من أدنى نتائجها السلبية ما نتج عنه من تحمّل الكثير من التكاليف المادية دون جدوى! فعلى الرغم من دخول بعض كبرى الشركات الوطنية على الطريق الرياضي، وتحقيقه نقلة نوعية مهمة مقارنةً بسابق عهد الأندية الرياضية، إلا أن هذا الطريق مع الزمن الذي تلاه انكشاف محدودية نتائجه مقابل تنامي التطلعات، والزيادة المفرطة في المصروفات السنوية للأندية الرياضية، بصورةٍ لم تعد حتى تلك المداخيل من رعاية تلك الشركات لها تغطّي بالكاد جزءاً يسيراً منها، وهي التي كانت في بداياتها عنواناً للنجاح.

لقد تبيّن محدودية النتائج للتالي على سبيل المثال لا الحصر:

(1) أن دعم الشركات المساهمة أتى فقط من شركات الاتصالات، فيما غابتْ بقية الشركات لعدم جدواها كما يبدو.

(2) أنّ الأندية التي تحققت لها الاستفادة المادية انحصرتْ فيما لا يزيد على ستة أندية، وتضاءل العدد لاحقاً ليتركّز فقط على الأندية ذات الجماهيرية، ما حرم بقية الأندية وخلق عدم تكافؤ الفرص فيما بينها.

(3) أنّ الفكرة استثمارياً لم تتطور لاحقاً لغياب أو تأخّر الأنظمة التي تكفل الحماية الكاملة لحقوق الأطراف كافّة، ولعل الاصطدام الذي نشأ عام 2009 بين شركات الاتصالات والأندية ومنظمي الدوري السعودي خير شاهد، تمَّ تجاوزه حينها بحلولٍ استثنائية لم تحظ بالقبول الكامل من الأطراف كافّة.

(4) أن احتياجات ومصاريف الأندية تفاقمت فواتيرها عاماً بعد عام متجاوزةً عوائد تلك الرعايات من الشركات.

(5) على الرغم من التقدّم المقبول الذي تحقق على طريق الاحتراف في الجانب الفنّي للأندية الرياضية، إلا أنّ الاحترافية على المستوى القيادي والإداري للأندية ظل متأخراً جداً، ما خلق فجواتٍ ظلّتْ تتسع عاماً بعد عام، شهدنا انعكاسها السلبي على الأندية الرياضية التي عانتْ منها تحديداً، وعلى مستوى الحركة الرياضية بصورةٍ عامّة.

في الجزء الثاني من هذا المقال، سأستعرض الخطوات المقترحة واللازمة لتحقيق "الاستثمار الرياضي والتخصيص" في بلادنا، التي أعتقد بضرورة البدء فيها لتحقيق منجزات حقيقية في مجالنا الشبابي والرياضي، يمكن في ضوئها التقدّم بصورةٍ تتسم بالوضوح والشفافية، والتوظيف الأمثل للموارد المتاحة نحو تحقيق الأهداف المنشودة في هذا المجال الحيوي والمهم.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/01/25/article_819584.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.