مَن المستفيد الأكبر من الدعم الحكومي؟

من المستفيد الأكبر من المعونة الحكومية المعممة على الطاقة والوقود والغذاء؟ هل هو المواطن؟ أم المقيم؟ أم الأثرياء أصحاب الدخل المرتفع؟ أم منشآت القطاع الخاص، خاصةً منشآته العملاقة؟ أمْ شركات الاستثمار الأجنبي؟ أم الأجهزة الحكومية؟ ومن هو المتضرر الأكبر من استمرار تفاقم فواتيره عاماً بعد عام؟ وهل الاقتصاد الوطني في مأمنٍ بوجوده أم يقف على فوهة بركانٍ خامد، قد ينفجر في أيّ لحظة؟

ذكرتُ في المقال الأخير "متى نتخلّص من الإدمان النفطي؟" المنشور هنا في "الاقتصادية" العدد 7404، أنّ فاتورة المعونة الحكومية المعممة على الطاقة والوقود والغذاء، بلغت تقديرياً بنهاية 2013 نحو 390 مليار ريال، وكما تُبيّن وتيرة الاستهلاك المفرط على الطاقة، المقترن بانخفاض تكلفتها، وامتلاء الأسواق المحلية بالمعدات والسيارات والأجهزة الكهربائية ذات الكفاءة المتدنية في استهلاك الطاقة، وافتقار ثلاثة أرباع المباني لمواد العزل الحراري. تؤكد أنّ أرقام الفاتورة مرشحة للارتفاع مستقبلاً، نتيجةً للعديد من التشوهات الكامنة في الاقتصاد الوطني، بدءاً من السياسات المسيّرة لأدائه، وانتهاءً إلى غياب الفعالية اللازمة لمراجعة ومراقبة الأداء الاقتصادي المحلي، والسياسات والإجراءات والبرامج المعمول بها.

لتبسيط الفهم على القارئ الكريم؛ تقف هذه المعونة الحكومية خلف انخفاض فاتورة استهلاك الكهرباء، فعوضاً عن أن يدفع رسوم الكهرباء اعتماداً على التكلفة الحقيقية لإنتاجها (الأسعار العالمية للوقود المستخدم في إنتاج الكهرباء)، تتحمّل الحكومة دفع الفارق بين تلك الأسعار العالمية للديزل وزيت الوقود والزيت الخام والغاز الطبيعي المستنفدة لإنتاج الكهرباء، ومن جانبٍ آخر بين الرسوم التي يدفعها مختلف شرائح المشتركين في الكهرباء (بلغ بنهاية 2012 نحو 150 مليار ريال)، وكذا الحال بالنسبة للوقود ومختلف أصناف السلع الغذائية والزراعية المستهلكة.

بمعنى أنّه لو غابت هذه المعونة الحكومية المعممة، لرأيت فاتورة الكهرباء التي يدفعها المواطن بقيمة 200 ريال شهرياً، قد تصل تكلفتها لنحو 1000 إلى 1200 ريال، وكذا الحال بالنسبة لوقود السيارات، عوضاً أن يدفع المواطن شهرياً في المتوسط 100 إلى 200 ريال لتزويد سيارته بالوقود، فقد يدفع في غياب المعونة خمسة أضعاف هذا الرقم أو أكثر، وهكذا بالنسبة لبقية السلع والخدمات التي تستنزف عشرات المليارات سنوياً من الموارد الناضبة للاقتصاد والبلاد.

أُعيد طرح الأسئلة السابقة بمزيد من التفصيل؛ هل المواطن "محدود ومتوسط الدخل"، الذي يتراوح متوسط دخله الشهري بين 3000 و 9000 ريال شهرياً، ويمتلك سيارة واحدة، ويسكن في شقة سكنية صغيرة، سيستفيد أكثر من مواطن آخر يتجاوز دخله الشهري 100 ألف ريال أو أكثر، ويمتلك عشرات السيارات، والعديد من المساكن الكبيرة "فلل، أو قصور"؟! وقس على ذلك بالنسبة لبقية الشرائح التي تمّ ذكرها في مطلع المقال، لا شكّ أن الفائدة الأكبر من هذه المعونة الحكومية بوضعها الراهن (التي لا تفرّق بين الغني والفقير)، ستذهب للشرائح الأقل حاجةً إليها على حساب الشرائح الأكثر حاجةً إليها، وهنا بيت القصيد المحزن جداً!

لا تقفُ هذه التشوهات بصورتها الفادحة عند هذا الحد فقط، فما تكشف عنه بالنسبة للاستثمار الأجنبي، يُعد أكثر فداحةً مما قد يتصوّر البعض! فوفقاً لتقرير الصندوق النقد الدولي 2013 حول أداء الاقتصاد السعودي، تبيّن أنّ أكثر من 85 في المائة من الاستثمارات الأجنبية (تناهز الـ 800 مليار ريال) المتدفقة على البلاد، جذبها فقط هذا الدعم أو المعونة الحكومية المعممة على الطاقة! وانظر للعائد من وجود تلك الاستثمارات في بلادنا، فقط على مستوى: (1) تنويع القاعدة الإنتاجية. (2) توظيف العمالة الوطنية. كلاهما يُشير إلى وقوعنا في ورطةٍ اقتصادية بالغة الخطورة، نحن من صنعها – بكل أسف – لا أصحاب تلك الاستثمارات الأجنبية الهائلة الرصيد!!

أمّا على مستوى القطاع الخاص، وتحديداً المنشآت الكبرى، فلم نشهد "لتدليلها" غير الموجود في أيّ اقتصادٍ حول العالم؛ عبر دعمها اللامحدود من صناديق التنمية، وبقية المزايا الحكومية من العقود والمناقصات، وتمتعها بالفائدة الأكبر مقارنةً بغيرها من انخفاض تكلفة الطاقة الكهربائية والوقود وخلافه، إلا ضعفاً في المنافسة الإقليمية والعالمية في الأغلب، وضعفاً في توظيف العمالة الوطنية، وتأخّراً فادحاً على طريق مساهمتها في تنويع القاعدة الإنتاجية، وغيره من أوجه الضعف التي لا تقارن على الإطلاق بما حظيت به من دعمٍ حكومي كبير طوال أكثر من أربعة عقودٍ زمنية مضت.

يقتضي الخروج من هذه "الورطة الاقتصادية" البالغة الخطورة، اعتماد رؤية اقتصادية جديدة وشاملة للبلاد والاقتصاد، يتم العمل تحت مظلتها على إنتاج سياسات وبرامج جديدة، تتولّى إدارة الاقتصاد الوطني وموارده بأنماطٍ مختلفة، تمتاز بالحرية والتنافسية وعدم التدخل الحكومي، تستهدف إخراج الاقتصاد الوطني من مرحلة "العناية الحكومية" إلى مرحلة "التنافسية الحقيقية"، وهو ما يختلف 100 في المائة عن ما هو قائمٌ الآن من سياساتٍ وبرامج اقتصادية مضى عليها 43 عاماً، أثبتت عاماً بعد عام أنّها لم تعد ذات جدوى أو فائدة علينا، بل لقد أصبحت تشكّل عبئاً ثقيلاً ومكلّفاً على كاهل الاقتصاد والمجتمع.

الأمر الأهم بالنسبة للمواطن هنا؛ ينبغي العمل إذا أُريد فعلاً أن يستفيد من هذه المعونة الحكومية بصورةٍ أكبر وأفضل، أن تتم إضافة المعونة التي سيتم خفضها تدريجياً إلى أجره الشهري مباشرة، بحيث تُرفع مستويات الأجور والرواتب للعمالة الوطنية في القطاعين الحكومي والخاص بصورةٍ موازية، خلال الفترة التي يتم التخطيط فيها لتخفيف المعونة حتى تتوقف، فإذا كانت نسبة فاتورة استهلاكه هنا تشكّل 30 أو 40 في المائة من دخله الشهري، يتم العمل على أن تبقى في تلك الحدود عبر زيادة مباشرة في أجره الشهري، تعوّض الخفض المخطط له في الدعم الحكومي، علماً أنّه سيستفيد لاحقاً عبر التزامه ببرامج الترشيد في استهلاك الطاقة، وهذا الموضوع المتعلّق بالمواطن مباشرة، سأتوسّع في الكتابة عنه مستقبلاً بمشيئة الله، مع أهمية الحديث عن بقية الملفات العالقة لجوانب المعونة الحكومية بصورتها المعممة الراهنة، التي ثبت أنّ أضرارها أكبر بكثيرٍ من فوائدها.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/01/20/article_818351.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.