آلية الإسكان .. لا حلول حتى الآن

إنْ كانت تظنّ وزارة الإسكان أن إقرار آلية الاستحقاق والأولوية لتنظيم الدعم السكني "إسكان"، سيأتي بحلول تفرّج أو حتى تخفف من أزمة الإسكان لدينا، أو بمعنى أدق أنّها ستعمل على الحدِّ من ارتفاع وتيرة الأسعار، فيجب أن تعلم من الآن أنّها تهرول نحو الأركان القصيّة من الهدف الرئيس.

السبب في ذلك؛ أنّ أولوية الآلية اتجهتْ بوضعيتها الراهنة إلى أخفِّ الأوزان في قوة الطلب الحقيقي على الإسكان، بمعنى التي لا تمثّل ثقلاً في الطلب المقترن بقدرة الدخل (على أنّه بمستوياته الراهنة بالنسبة لأغلبية الأفراد العاملين لا يستطيع توفير قيمة المسكن، لكنّه يظل الحجّة التي تستخدم الآن لاستمرار ارتفاع الأسعار). يجب ألا يفهم من حديثي هنا، أنّه اعتراضٌ على منح الشرائح المستفيدة من منتجات الإسكان كالمتقاعدين وكبار السن والأرامل والمطلقات وأسرهم، بل تستحق تلك الشرائح كل الاهتمام والأولوية. المقصود هنا أنّ تقديم حلول الإسكان لتلك الشرائح في الوقت الراهن وخلال الأشهر القليلة المقبلة لن تكون نتائجه ذات أثر يذكر في حل أسباب الأزمة، كونهم لا يمثلون وزناً مرجّحاً من حيث (قوة الدخل) في ميزان الطلب الراهن.

ما الهدف الرئيس؟ وما الأسباب الحقيقية لافتعال أزمة الإسكان؟ ولماذا يتزاحم أكثر من ثلاثة ملايين مواطن بأُسرهم عند بوابة وزارة الإسكان؟ هذه الأسئلة وغيرها إجابتها واحدة؛ إنّها أسعار الأراضي التي تسابق الرياح صعوداً، فأرهقتْ البلاد والعباد. هل وزارة الإسكان تعلم بهذه الأسئلة وبأن إجابتها معلومة لديها بموجب الدراسات المتخصصة التي أجرتها على السوق المحلية؟ نعم، هي تعلم بها تمام العلم، وأدركتْ جيداً أن مصدر أزمة الإسكان مصدر واحد لا ثاني له، وأنّ الدراسات والأبحاث التي أجرتها طوال العامين الأخيرين لديها كما أنّها شخّصتْ أسباب الأزمة، فإنّها أيضاً اقترحت عليها "توصيات الحل".

تأكّد لوزارة الإسكان أنّ الداء الرئيس لأزمة الإسكان هو "احتكار الأراضي" ولا سواه، بدافع لتخزين الثروات الميسور جداً في ظل شحّ الفرص الاستثمارية البديلة أن تتنامى قيمها دون أدنى عناء أو جهدٍ يبذل، وأنّ السبيل إلى الخروج من هذا المأزق المعقّد في حقيقته، يتطلّب وضع حلول منها ما هو داخل أسوار وزارة الإسكان، ومنها ما هو خارجها، طُرحت أغلبية تلك الحلول في مختلف ميادين الرأي المقروءة والمشاهدة، ومن عجب أنّه حتى تاريخه لم نرَ تحركاً ذا أثرٍ ملموس في أيّ من تلك الاتجاهات الحقيقية لحل الأزمة.

تقوم منظومة حل أزمة الإسكان في بلادنا على عدد من المحاور الرئيسة، سأُعيد طرحها هنا بصورة مختصرة، وإنّي على يقين تامٍ أنّها ليست بالحديثة على وزارة الإسكان، كونها هي ذاتها التي وصلتْ إليها نتائج الدراسات الدقيقة التي أجرتها الوزارة بالتعاون مع المراكز البحثية العالمية التي تعاقدت معها. تتلخص المحاور في التالي:

المحور الأول – أنْ يتم منح بيئة الاستثمار المحلية المزيد من التسهيلات والدعم، وتخفيف القيود والإجراءات التي حدّتْ وتحد من ضخ رؤوس الأموال الوطنية في مختلف المشروعات المجدية، يمكن حصْر مصادر تلك المسببات في جعْل بيئة الاستثمار المحلية طاردة أكثر من كونها جاذبة في عدد من الجهات، لعل في مقدمتها كل من وزارة المالية والصناديق التمويلية الخاضعة تحت إدارتها، وزارة التجارة والصناعة بتأخّرها في جانب تشجيع وتطوير تأسيس المشروعات في نشاطي الصناعة والخدمات تحديداً، وزارة العمل عبر برامجها الكثيفة التي تنظر إلى سرعة تحقق النتائج دون النظر لما قد تخلّفه من كوارث على حساب بيئة الاستثمار المحلية، وزارة الاقتصاد والتخطيط التي تأخّرتْ كثيراً تجاه تشخيص مكامن الفرص الاستثمارية المحلية، واقتراح آليات دعمها وتمويلها، خاصةً التي تقع في خانة المشروعات الصغرى والمتوسطة، مؤكّداً أنْ جميع الجهات المذكورة أعلاه اجتمعتْ في تقصيرها تجاه تلك النماذج من المشروعات بصورة واضحة، لم نشهد أي تقدم من قبل تلك الأجهزة مجتمعة أو منفردة لأجل توفير الداعم اللازم لتلك المشروعات الحيوية.

المحور الثاني – يرتبط كثيراً بالمحور الأول؛ أنْ يُحد من أشكال الاحتكار في العديد من الصناعات والنشاطات المحلية، فعلى سبيل المثال يشهد القطاع البنكي لدينا تركّزاً (احتكاراً) لا يُقارن به على مستوى الاقتصادات المقاربة لحجم الاقتصاد السعودي، فهو قطاع شبه مغلق تماماً على أعضائه الراهنين! وهنا يحضر دور مجلس حماية المنافسة، الذي يُفترض منحه استقلالية تامّة عن وزارة التجارة والصناعة وحتى قطاع الأعمال المحلي، ليقوم بدوره التقليدي المتعارف عليه في الاقتصادات القائمة على منطق الأسواق الحرّة. إنّ فتح المزيد من المنافسة في مختلف الأسواق المحلية التي تشهد أي شكل من أشكال الاحتكار، إضافةً إلى ما أوردته في المحور الأول من تشجيع ودعم لتأسيس مشروعات بمختلف أحجامها، أؤكد أنّه سيجتذب الكثير من الأموال والثروات الباحثة عن موطئ قدم لها، يتحقق لها من خلاله عوائد مجزية على رأس المال، فاتحاً أمامها فرصاً استثمارية بأقل التكاليف، وأيسر الإجراءات، وهي خطواتٌ لا بد من القيام بها بالتزامن مع ما سيأتي ذكره في المحور الثالث؛ ذلك أن غياب تلك الإجراءات المذكورة أعلاه في حضور مضمون المحور الثالث فقط، سيفتح باباً لهروب الثروات الوطنية للخارج بصورة لم نشهد لها مثيلا، وسيتسبب في ترك خسائر هائلة على حساب الاقتصاد الوطني أولاً وآخراً.

المحور الثالث ـــ أن تُسنّ الرسوم أو الغرامات على احتكار الأراضي وحجزها لآماد طويلة، دون تطوير لها، ودون تشييد مساكن عليها. لقد دفع غض الطرف عن هذا الاحتكار (الذي اتسع نطاقه لما ذُكر من أسباب رئيسة أعلاه) إلى تفاقم الأزمة كما نراها اليوم كشبح مقلق للاقتصاد والمجتمع على حدٍّ سواء، لهذا فلا بد من العمل على اتخاذ مثل هذه الخطوة طال الزمن أم قصر، شرْط أن يتحقق الكثير مما ذُكر في المحورين الأول والثاني، وإلا تحوّلت تلك الرسوم (خلاف الزكاة المقترحة على الأوعية العقارية المدرّة للعوائد) بالوبال على الاقتصاد الوطني.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/01/13/article_815951.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.