متى نتخلّص من الإدمان النفطي؟

تُرى إلى أيّ مدى يمكن أنْ تصل إليه عوائد النفط المرتفعة في الوقت الراهن في "ترقيع" التشققات في السياسات الاقتصادية القائمة؟ وإلى أيّ مدى يمكن لها أنْ تستر واقعاً يبعث على القلق الشديد بمجرّد انخفاض السعر إلى 85 دولارا للبرميل، أو ما دونه؟ ما هو "الترقيع" الذي بيد النّفط هنا؟ وما هي التشققات المستورة في رداء السياسات الاقتصادية؟ رغم أنّ الحديث يمسُّ عمقاً اقتصادياً معقّد التفاصيل، إلا إنّه لا بد من تبسيطه بما لا يُخل بسلامة التحليل.

اعتدنا في الماضي، إبّان حقبة تراخي أسعار النفط، التي زامنها تراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع الدين الحكومي، وغيرها من التعثّرات الاقتصادية المتعددة، على تعليق الأسباب في عنصر "تراجع الأسعار العالمية للنفط"، وأنّ ما حدَّ من تفاقم الآثار السلبية آنذاك؛ هو العمل بسياساتٍ اقتصادية "حصيفة"، ولولاها كنّا واجهنا نتائج وخيمة. أمّا في الحقبة الراهنة التي شهدتْ تحسّناً غير مسبوقٍ في الأسعار العالمية للنفط، دفعتْ بدورها إلى تحسّن أغلب مؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي، فلا بد أنْ يعقب عزو الأسباب لتحسّن أسعار النفط، إلحاقاً روتينياً للسياسات الاقتصادية القائمة! إنْ أردتْ الحقيقة؛ العامل المحرّك هو النفط، ولو كان لتلك السياسات دورٌ ملموس، لأظهرتْ شيئاً من نجاحها على أقل تقدير، بتخفيف اعتماد الاقتصاد على النّفط، غير أنّ هذا لم يحدث!

أثبتتْ مسيرة الاقتصاد الوطني طوال أكثر من أربعة عقودٍ مضتْ: (1) أنّ اعتماده على النفط ظل يزداد عقداً بعد عقد. (2) أنّ السياسات الاقتصادية أمام تزايد حجم الاقتصاد والتحديات الجسيمة التي يواجهها، وتعاظم المتطلبات الإنمائية للمجتمع، أصبحتْ لا تجاري التحديات أو المتطلبات، بل إنّ بعضها تحوّل إلى عقبةٍ كأداء في طريق استثمار الفرص والمبادرات الواعدة لدى الشرائح الشابة في المجتمع.

تمكّنتْ العوائد المرتفعة للنفط من "ترقيع" تشققاتٍ عديدة، لكنّها بدأتْ تتكشف أخيرا رغم استقرار الأسعار في مستوياتها المرتفعة؛ لعل من أبرز تلك التشققات: البطالة، أزمة الإسكان، التباين الكبير في الدخل بين الأفراد، اتساع دوائر الفقر والعوز. تُرى ماذا سيحدث إنْ بدأت أسعار النفط في التراجع؟!

لتكتشف القدرة الحقيقية لدى تلك السياسات الاقتصادية، تذكّر كم من القرارات السامية صدرتْ طوال العقد الماضي فقط! دفعتْ بالكاتب إلى قول العبارة التالية: إنّه كلما زادتْ القرارات والإجراءات في صورةٍ استثنائية المتعلقة بقطاعٍ معيّن، دلَّ ذلك على زيادة القصور في سياساته وبرامجه وأداء الجهة المسؤولة عنه! اعتمدنا كثيراً في مواجهة تلك التحديات على الوفورات الهائلة للنفط، لكنّها في الوقت ذاته زادت لدينا – دون أنْ نشعر – من حالة "الإدمان النفطي"، وأضعفتْ الاهتمام بدراسة وبحث الجدوى من السياسات الاقتصادية الراهنة، وضرورة إعادة بنائها من الأساس، وفق رؤية شاملة للاقتصاد والمجتمع ومستقبلهما على حدٍّ سواء.

لقد أوصلنا "الإدمان النفطي" مع الإبقاء على التشوهات الجاثمة في هيكل الاقتصاد الوطني، إلى وصولنا إلى عددٍ من "الورطات" المكلّفة جداً، التي سنواجه أمام تعاظمها مستقبلاً صعوباتٍ كبرى، لا يوجد لدينا أية ضماناتٍ كافية ومأمونة بالقدرة على تجاوزها حينئذ، حتى وإنْ استمرّتْ أسعار النفط في مستوياتها الراهنة، لعل من أبرز تلك "الورطات" الاقتصادية:

(1) الارتفاع المتصاعد لفاتورة المعونة الحكومية المعممة على الطاقة والوقود والغذاء، يُقدّر بلوغها مع نهاية 2013 نحو 390 مليار ريال، نتيجة الاستهلاك المفرط للطاقة، المقترن بانخفاض تكلفتها، وامتلاء الأسواق المحلية بالمعدات والسيارات والأجهزة الكهربائية ذات الكفاءة المتدنية في استهلاك الطاقة، وافتقار ثلاثة أرباع المباني لمواد العزل الحراري، علماً أنّ الرقم مرشّح للارتفاع مستقبلاً بصورةٍ أكبر في ظل ثبات وجمود السياسات الاقتصادية الراهنة. على أنّه من الضرورة بمكانٍ هنا، الإشارة إلى أن أكثر من ثمانية أضعاف ذلك الدعم الحكومي المعمم، قد ذهب إلى الأُسر الثرية على حساب الأُسر المستهدفة به، التي لم تحظ بأكثر من 10 في المائة منه في أحسن الحالات.

(2) لتتأكّد من قدرة وحيوية تلك السياسات الاقتصادية؛ ماذا سيحدث لو رُفعتْ أسعار الكهرباء والوقود فقط بنحو 5 أو 10 في المائة كل عام أو عامين، إلى أن تصل إلى مستويات الأسعار العالمية، كما يوصي صندوق النقد الدولي وبعض أكاديميي "تاريخ" الاقتصاد؟ طبعاً هذه "التوصيات" لا تزال تصدر بصورةٍ مستمرة دون التطرّق من قريب أو بعيد، إلى ضرورة اقترانها بزيادةٍ كافية في الأجور والتعويضات المدفوعة إلى الأفراد والأُسر! إزاء هذه الاحتمالات؛ ما هو حجم الأضرار التي ستتعرّض لها منشآت القطاع الخاص، الذي أدمن هو بدوره على الطاقة الرخيصة؟ وما حجم الأضرار على المواطنين المتدنية أجورهم في الأصل؟ إنّه حلٌ لا بد منه دون أدنى شك! لكن لا بد من عمل الكثير والكثير جداً قبل الإقدام على إقراره. يجب أن تسبقه جهود واسعة وعميقة على مستوى الاقتصاد الكلي، فيما يشبه المنظومة المتكاملة، أنْ يتم تصميم سياساتٍ جديدة للاقتصاد الوطني، تحت مظلة رؤية شاملة، تشجع على التحرير التدريجي للاقتصاد من الرعاية والتدخل الحكومي "المدعوم بإيرادات النفط"، لتحوّله اقتصادٍ أكثر حرية وأكثر منافسة.

يُبذل في الوقت الراهن جهودٌ تستحق الدعم، وأن يتكاتف الجميع حولها لتحقق المزيد من النجاح، وهي المتمثّلة في مبادرات تحسين كفاءة الطاقة في المملكة، التي يقف خلفها المركز السعودي لكفاءة الطاقة، الذي يضم فريق عمله أجهزة حكومية وكبرى منشآت القطاع الخاص. غير أنّه غير كافٍ لوحده ليقوم بما نصبو إليه جميعاً، لإيجاد اقتصادٍ أكثر حيوية وديناميكية وحرّية ومنافسة، يستحق هذا الهدف البعيد والكبير الحجم، جهداً أكبر وأعمق على المستويات كافة لدينا، وأنْ ينصب الاهتمام عليه من قبل الأجهزة والمؤسسات والمختصين كافّة، للمساهمة الفاعلة في نقل اقتصادنا إلى موقعٍ يتمتع فيه باستقلالية ومتانة أكبر، بعيداً عن النفط وإدمانه.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/01/18/article_817850.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

تعليق واحد على: متى نتخلّص من الإدمان النفطي؟

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تدعوك الأكاديمية لعمل لقاء عالسكايب مع أعضاء الأكاديمية السعودية الوطنية للعلوم بتورونتو، كندا للتحدث عن مواضيع تتعلق بالإقتصاد السعودي تشمل مايلي:
    1-علاقة النمو الإقتصادي بالتعليم.
    2-التحول من إقتصاد قائم على النفط، إلى إقتصاد قائم على المعرفة.
    3-مؤائمة مخرجات التعليم مع إحتياجات سوق العمل.
    4-تجارب الدول الأخرى مع التنمية المستدامه.
    5-دور موسسات المجتمع المدني في نجاح الخطط التنموية.