المدن الاقتصادية السعودية.. استدراك الفرصة!

استهدفتْ الرؤية الشاملة التي رسمتها الهيئة العامّة للاستثمار، حول المشروع العملاق لتأسيس وإنشاء المدن الاقتصادية الذي قُدّرتْ تكلفتها الأولية بأكثر من 600 مليار ريال، أنْ يساهم وجود تلك المدن في القفز بقدرة الاقتصاد الوطني على طريق تنويع قاعدته الإنتاجية خطواتٍ أبعد مما تم إنجازه، وأنْ تساهم في خلق بيئة استثمارية متقدمة تجتذب أولاً المدخرات الوطنية، عدا استقطابها للاستثمارات من خارج الحدود، وكل هذا بدوره سيساهم في خلق مئات الآلاف من فرص العمل الكريمة للمواطنين والمواطنات، ويعزز من مستوى الدخل للأفراد، عدا الأهداف التفصيلية الأخرى المرتبطة برفع كفاءة الإنتاج، وترشيد استهلاك الطاقة، وتخفيف الهجرة الداخلية إلى المدن الرئيسة، والعمل على توفير المساكن اللائقة بالأُسر السعودية.

بالنظر إلى ما تم إنجازه حتى تاريخه خلال ثمانية أعوامٍ مضتْ، فلا شك أنّه أدنى من أن يُذكر، وعلى الرغم من شح المعلومات المتوافرة حول درجة تقدّمها، والاعتماد قدر الإمكان على ما توافر حولها من مصادر محدودةٍ جداً، إلا أنّها تؤكد تأخّر المنجز الحقيقي مقارنة بما كان مخططاً لتلك المدن ساعة الإعلان عنها.

لقد وقعتْ مشروعات المدن الاقتصادية ضحية للعديد من الأخطاء الجوهرية، ومما يؤسف له أنّ الهيئة العامّة للاستثمار لم تستدركها بالحل السريع منذ أول حدوث تلك الأخطاء، بل تجاهلتها وانطلقتْ تعلن وتدشّن مدينة بعد مدينة في احتفالية مبالغ فيها، ها هو الاقتصاد الوطني بأكمله يدفع ثمنها وليس فقط الهيئة العامّة للاستثمار. بل إنّ من أخطر الأخطاء التي وقعت فيها الهيئة العامّة للاستثمار؛ أنّها لم تستفد من التجربة الناجحة التي خاضها اقتصادنا الوطني في النصف الثاني من السبعينيات الميلادية، التي كان من أهم ركائز نجاحها ممثلةً في مدينتي الجبيل وينبع ارتكازها على ركيزتين رئيستين: الركيزة الأولى- أنّ الحكومة هي من تتحمّل المخاطر الأكبر، لهذا قامتْ في ذلك الوقت بتحمّل تكلفة التأسيس والبناء كاملةً للبنية التحتية لتلك المدن «كلّفتْ كل مدينة نحو 70 مليار ريال، أي أكثر من 40 في المائة من إجمالي الناتج المحلي آنذاك»، كما تولّتْ الحكومة الإشراف الرقابة على خطوات التنفيذ كافّة، وأسستْ لها هيئة حكومية خاصة «الهيئة الملكية للجبيل وينبع»، تولّى رئاستها الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد آنذاك، فيما تولّى إدارة شؤونها اليومية وزير التخطيط في تلك المرحلة هشام ناظر. في حين تم التعامل مع المدن الاقتصادية في المرحلة الراهنة بالاعتماد على التمويل غير الحكومي من مستثمرين ومكتتبين، ثم تعميد شركات هي أيضاً حديثة التأسيس ولا تتوافر لديها الخبرة الكافية لتنفيذ مثل المشروعات العملاقة على مستوى العالم، وليس فقط على مستوى البلاد.

الركيزة الثانية: أنّ رؤية بناء وتصميم تلك المدن جاء منفصلاً تماماً عن الرؤية الشاملة التي تم رسمها للاقتصاد الوطني مطلع الألفية بالتعاون مع البنك الدولي، وحاولت العزف منفردةً دون أي تنسيقٍ يذكر، ولهذا لم تتوافر لها شروط النجاح اللازمة، فولدتْ أضعف بكثيرٍ مما تخيل القائمون على فكرة إنشاء تلك المدن الاقتصادية. علماً أنّه لو قُدّر توافر الركيزة الأولى؛ فإنّه كان محتملاً «وهو مجرد رأي» أنْ تكون درجة التقدم المتحققة أفضل مما هي عليه في الوقت الراهن.

تؤكد المرحلة الراهنة التي يمر بها الاقتصاد الوطني، وما يواجهه من تحديات جسيمة على المستويات كافة، أنَّ حاجته لوجود تلك المدن الاقتصادية أكبر حجماً وثقلاً من أي وقتٍ مضى، ذلك أنّها تعد من أفضل قنوات توسيع القنوات الاستثمار المحلية، والتي ستؤدي في الأجلين المتوسط والطويل إلى تحفيز بيئة الاستثمار المحلية، وتساعد على خلق مزيدٍ من مئات الآلاف من فرص العمل الكريمة أمام المواطنين والمواطنات، ولآثارها الإيجابية المعلومة لدى الأغلبية من المهتمين والاختصاصيين.

تقتضي شروط النجاح، والأسباب الحقيقية للدفع لتحقيق درجاتٍ أعلى على طريق تقدّم إنشاء تلك المدن، أنْ تؤخذ في الحسبان الركيزتين أعلاه، وقد يكون من الأنسب في الوقت الراهن أن يكون القطاع الخاص شريكاً استراتيجياً للحكومة في هذا السياق ممثلاً في الغرف التجارية وكبريات الشركات السعودية، والنظر إلى المستثمر الأجنبي بالتركيز على التقنية المتقدمة التي يمتلكها كأولوية لا يسبقها أي أولوية أخرى.

كما يجب الأخذ في الحسبان؛ أنْ إبقاء الأوضاع الراهنة لتلك المدن الاقتصادية، دون أي تدخلٍ فاعل ومسؤول من قبل الجهاز الحكومي، من شأنه أن يحولها مستقبلاً من عامل كان يؤمل أن يحفّز النمو الاقتصادي، ويوسع طاقته الاستيعابية وخياراته الإنتاجية، إلى عاملٍ يهدد استقرار الاقتصاد الوطني، وهو أخطر ما يمكن تقديره مستقبلاً إن حدث، وما لم يكن في الحسبان!

تعد مشروعات المدن الاقتصادية في الوقت الراهن من أفضل الخيارات المستقبلية المتاحة الآن، وأن يتم إعادة تأهيلها لتصبح القنوات التي يُوظّف فيها أكبر جزء ممكن من الاحتياطيات الخارجية، شرْط أن تتم تلك العملية تحت أعلى درجات الرقابة والتدقيق والمحاسبة. إنّها الفرصة المثلى بلغة أرقام وتحديات اليوم وغداً، وهي الخيار الاستراتيجي الذي لا يسبقه أي خيارٍ آخر، لعل من أهم محدداته؛ ضخامة فاتورة خسارتها إنْ لم يتم استدراكها على نحوٍ أسرع مما تم، ووفق آليةٍ أكثر عملية يكون للحكومة فيها زمام المبادرة قبل غيرها، فمثل تلك المشروعات العملاقة الطويلة الأجل من حيث العائد عبر مختلف التجارب الدولية، لم يكن ليُكتب لها النجاح على الإطلاق في غياب الوزن الحكومي.

أخيراً.. كما أنّ المدن الاقتصادية تمثّل خياراً استراتيجياً عالي الأهمية بالنسبة لنا، فإنّها في المقابل مخاطرةً كبرى أن يتم تركها على وضعها الراهن دون إصلاح وتعديل وتطوير بما تقتضيه من ضرورة إكمال بنائها وتأسيسها، والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/01/07/article_814118.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.