ديباجة التصريحات .. حبر على ورق المواطن

من يقرأ أو يستمع إلى تصريحات الكثير من المسؤولين الحكوميين عقب صدور الميزانية العامّة، ثم يقارنها بشكاوى وتذمّر المواطنين على مختلف شرائحهم، سيعتقد دون أدنى شك أنّ الطرفين ”المسؤول” و”المواطن” يعيشان في مجتمعين منفصلين تماماً.

ذلك أن تصريحات المسؤول ”وردية” اللون في عنوانها ومتنها وهوامشها؛ تتحدث بإسهابٍ عن ”أشياء” و”منجزات” غير مسبوقة في التاريخ. في المقابل، تتطاير على صفحات الصحف، وشاشات الإعلام ذاتها تلك التي ”تورّدتْ” بتصريحات المسؤولين. أقول تتطاير شكاوى ومطالبات مئات الآلاف من المواطنين والمواطنات، دع عنك ما اكتظت وتكتظ به مواقع التواصل الاجتماعي من قضايا ومعاناة لمئات الآلاف من الأفراد، ضاقت بها وسيعة الصحافة والإعلام التقليدي، فتدفقت سيولها العارمة إلى وسيعة لا نهائية الحدود.

إنه ”التناقض” بعينه في أبعد ما يمكن من تصورات العقل لأنواعه وأشكاله! فالطرفان أعلاه يتحدثان عن شأن وموضوع واحد، وهما أيضا يتشاركان الحياة زماناً ومكاناً في المجتمع ذاته! بمنطق العقل؛ أحد الطرفين ”كاذب” والآخر ”صادق”. وبمنطق القانون؛ على كل طرف منهما أن يثبت ”مزاعمه” بدلائل وإثباتات قطعية، لإثبات صحة وسلامة ما يتحدث عنه. كلا المنطقين ”العقل، والقانون” لهما ميادينهما الخاصة، أمّا هنا ــــ المقال ــــ فلا حديث لغير الأرقام الرسمية الصادرة عن جهات أولئك المسؤولين، فماذا قالت تلك الأرقام؟

أبدأ بالأسئلة القديمة المتجددة: لماذا يعبر المواطن عن عدم لمسه في واقع حياته اليومية ما تتحدث عنه تصريحات المسؤول من منجزات؟ لماذا لم ينعكس النمو المتحقق للاقتصاد الوطني طوال الأعوام الأخيرة على مستوى معيشته؟ لماذا لا يزال المواطن يعاني تردي مستوى الخدمات الصحية والبلدية والاجتماعية والتعليم والطرق والنقل.. إلخ؟ لماذا من كل عشرة مواطنين بالغين؛ لا يزال ثمانية منهم يصارعون التحديات لأجل تملك مسكن العمر؟ وأربعة منهم يبحثون عن فرصة عمل كريمة بدخل لائق ولا يجدونه؟ وثلاثة منهم بأسرهم يعيشون دون الحد الأدنى للكفاف؟ ونسبة كبيرة منهم تتلظى ــــ نتيجة ارتفاع تكلفة المعيشة والغلاء الزاحف ــــ بالديون المصرفية وشركات التقسيط (بلغت حتى نهاية الربع الثالث من العام الجاري 670 مليار ريال)؟

إنّها أسئلة لا يمكن لأي ذي عقل ورشد أن يتجاهلها، ولا بد من وضعها تحت مجهر البحث والتقصي والدراسة والنقاش! وأن تبين في حقيقتها أمام الجميع؛ فإن كانت غير صحيحة، وناتجة عن قصور في الفهم والمعرفة من قبل المواطن، يبين ذلك له بالإثباتات والأرقام الرسمية! ومن ثم تلجم أية ثغرات قد تستغل لإثارة الفوضى والعبث، وإلحاق الأذى الخطير باستقرار مجتمعنا. وإن كانت صحيحة، وناتجة عن تقصير حقيقي من قبل المسؤولين، يبين ذلك أيضا بالطريقة نفسها، ومن ثم تتخذ التدابير والإجراءات اللازمة بحق كل مقصر أو متهاون أو فاسد، وإخضاع الأمر برمته ليد الإصلاح والمعالجة والتطوير. يجب ألا تبقى قضية بهذا الوزن الثقيل جدا، عالقة هكذا دون اهتمام مسؤول من كافة الأطراف، فلا بد من مواجهتها بكل شجاعة وأمانة ووطنية، تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة للبلاد والعباد، وقبل كل ذلك مسؤولية حمل الأمانة أمام الله عز وجل.

هل طرح وأجيب عن هذه الأسئلة المهمة جدا، وغيرها من الأسئلة ذات الصلة بأي من تلك الجهات الرسمية المعنية بها؟ أو في مجلس الشورى؟ أو خلال مئات المنتديات وورش العمل التي عقدت وتعقد طوال أيام العام؟ يحز في النفس كثيرا أن الإجابة: لا.

علينا جميعا أن ندرك تمام الإدراك أن ”التناقض” اللافت بين ما تتضمنه تصريحات المسؤولين من حديث عن المنجزات، وبين ما تتضمنه أصوات المواطنين من شكاوى ومطالبات وغيرها، أؤكد أنها تشير إلى تشكل وتفاقم ما يمكن وصفه بـ ”الفجوة الإنمائية”، لعل أبلغ تعريف لها بكل اختصار: أنها الفجوة التي تتمثل في ”الفارق” بين احتياجات ومتطلبات المواطنين ”خيارات الحياة” من جهة، ومن جهة أخرى ما تم إنجازه من الجهات الحكومية تلبية لتلك الاحتياجات والمتطلبات.

كتبت هنا في ”الاقتصادية” قبل أربعة أشهر من تاريخ اليوم مقالين بعنوان: ”لماذا المواطن.. الغائب الأكبر اقتصاديا؟” عدد 7250، و”كيفية الارتقاء بمعيشة المواطن” عدد 7252. يرتبطان بصورة مباشرة بهذه القضية المتناولة هنا، كان من أهم ما ذكر فيهما حول أسباب تشكل هذه ”الفجوة الإنمائية” وآثارها الخطيرة ما يلي: (1) تأخر أو تعطل تنفيذ المشروعات الحكومية. (2) أدى إلى انخفاض كفاءة وجودة الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية. (3) تفشي مظاهر الفساد والمبالغة في قيم العقود والمناقصات الحكومية. (4) تفشي مظاهر الاحتكار والتلاعب بالأسعار ”كاحتكار الأراضي والعقارات، وعديد من السلع، وسيطرة مجموعات ضيقة على ملكية الأصول المنتجة”. (5) ضعف الرقابة والمتابعة والمحاسبة والمساءلة على مختلف الأجهزة التنفيذية. (6) غياب الشفافية والمعلوماتية، وتأخر مؤسسات ووسائل الإعلام عن ممارسة دورها اللازم لأي سبب كان.

إنها ”فجوة” يمكن التعبير عنها بالأرقام؛ فوفقا لما تضمنته خطتا التنمية الثامنة والتاسعة (2005 ــــ 2014)، وما أعلنت عنه بيانات الميزانية المتتالية طوال الفترة، وما نشرته إحصاءات التقارير السنوية لمؤسسة النقد العربي السعودي حول منجزات تلك الجهات الرسمية، يمكن تقدير قيمة ”الفجوة الإنمائية” لتلك الفترة بنحو 1.2 تريليون ريال، تتألف من مجموع الأموال غير المستغلة في تنفيذ المشروعات، وقيمة المشروعات المتعثرة والمتأخرة، التي لو قدر لها تجاوز هاتين المعضلتين، لكانت ترجمت على أرض الواقع، ولشعر بها المواطن حقيقة (مستشفيات، مدارس، طرق، بنى تحتية، إلخ) لا مجرد تصريحات!

أما إن أضفت ”الهدر” الناتج عن الأعطال أو الانهيارات أو التسربات وما شابهها، التي قد تطرأ على بنية المشروعات المنفذة، فسترتفع قيمة ”الفجوة الإنمائية” لأكثر من 1.6 تريليون ريال! هذه التقديرات للأرقام المرتبطة مباشرة بالمشروعات، خلاف تكلفة الأضرار المادية والخسائر الفادحة غير المباشرة الناتجة عن تفاقم تلك ”الفجوة”!

مؤدى كل ما تقدم ذكره؛ أن على المسؤولين الحكوميين إدراك طبيعة المرحلة الإنمائية التي تعيشها البلاد، لعل أهم سماتها الوعي المرتفع الذي أصبح يتمتع به المواطن، وقدرته العالية على ”فلترة” كل ما يصدر عنهم من بيانات أو تصريحات، وبما كفلته الدولة ــــ أيدها الله ــــ له بحق المطالبة بأداء حقوقهم الواقعة مسؤوليتها على أولئك المسؤولين، وحق المحاسبة والمساءلة حال التقصير بموجب الشريعة الإسلامية، المنهج النافذ والمطبق للبلاد والعباد.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/12/30/article_811599.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.