من يعلّق الجرس؟

أحياناً تعجز عن إيجاد مدخل إلى قضيّة معينة كلما واجهت نمطاً معقداً لحالتها، تتأكّد لديك تلك الحيرة إذا وجدتها قد تجاوزت حدود الفوضى، كأن تجد أمامك دولاباً جديداً في قالبه الخارجي، لكنّه يعج بأنواع العشوائية في ترتيبه الداخلي! فلا تعلم من أين تبدأ؟ وإلى أين ستنتهي؟ غير أنّه لا بدّ من البدء في ترتيب هذا الدولاب الجديد، بغضِّ النّظر عن نقطة البداية (المدخل)، المهم أن تصل إلى نهايةٍ ناجحة، تنبئ عن تحقق الترتيب اللازم لتلك الأشياء المودعة في ذلك الدولاب.

”دولابنا” هنا هو اقتصادنا الكلي، وأوجه نشاطه المتعددة هي ”أشياؤه” المودعة داخله. كيف لك أنْ تعلم أن حالة أي اقتصادٍ كان متعافٍ أو معتل؟ لن تجد الإجابة خارج ”شاشة” أداء مؤشراته الأساسية. لكن، ليس الأمر بتلك السهولة المتوقعة، ذلك أنّ تلك المؤشرات الأساسية قد تُظهر لك ”تضارباً” في اتجاهاتها، ما يجعل حيرتك الآن أكبر مما لو لم تتوغل في عالم تلك المؤشرات! إذاً؛ ما العمل؟!

أن تبدأ مهمتك التحليلية كالتالي: (1) القيام بتبويب تلك المؤشرات حسب أولوياتها، وفقاً للمتعارف عليه في علم الاقتصاد. على سبيل المثال لا الحصر؛ تتقدّم معدّلات النمو الحقيقي للاقتصاد والتضخم والبطالة على ما سواها من بقية مؤشرات الأداء، وهي أيضاً فيما بينها تتصارع على أولوياتها! فقد تجد معدل نمو حقيقي للاقتصاد مرتفعا، ومن الطبيعي أن يتزامن معه معدلٌ مرتفع للتضخّم، لكن أن يتزامن معهما معدل للبطالة مرتفع! فهذا ما يثير أسئلة ساخنة جداً، يتعين عليك كمخطط اقتصادي أو مراقب أن تبحث دون تأخير عن الأسباب، ووضع الحلول العاجلة لحلّها.

(2) القيام بفحصٍ دقيق لجميع المؤشرات الأساسية، والتعرّف على الأسباب الحقيقية التي كانت وراء وقوفها على تلك القيم أو المعدلات بحالتها الراهنة، سواء كانت ممتازة أو سيئة، لتصل إلى تشخيصٍ دقيق لحالة الاقتصاد الكلي، يتيح لك الرؤية الدقيقة المؤهلة لاتخاذ القرارات والإجراءات اللازمة، فتنجو بذلك من تخدير مؤشرات ممتازة في ظاهرها، غير أنّها قد تكون ناجمة عن حالة مرضيّة، والعكس صحيح. مثال ذلك؛ ارتفاع فائض الميزانية العامّة، أو انخفاض معدل البطالة بوتيرة متسارعة ”يقابله ارتفاعٌ سريع للتشغيل”، لكن في المقابل تُفاجأ بانخفاض الإنتاجية، أو تردّي مستوى دخل الأفراد، وغيرها من المؤشرات الأساسية المعاكسة ”سلباً” لتلك المؤشرات ”الإيجابية”! هنا عليك القيام بالفحص الدقيق لأسباب تلك التناقضات، والحيثيات التي دفعت كل مؤشرٍ منها لوقوفه على تلك الصورة.

الآن؛ سنخوض تجربةً صغيرة مع أجهزتنا المالية والاقتصادية في مقدّمتها وزارات: المالية، الاقتصاد والتخطيط، التجارة والصناعة، العمل، النقل، الإسكان، البلدية والقروية، مؤسسة النقد العربي السعودي، هيئة السوق المالية، الهيئة العامّة للاستثمار. شاهدنا جميعاً الانطباع الممتاز الذي عبّرت عنه مختلف تلك الجهات بعد صدور الميزانية العامّة منتصف الأسبوع الماضي، ويحق لنا كمجتمع أن نختبر درجة ”الثقة” بما أفصحت عنه تلك الجهات الرسميّة. ولنبدأ ”كمدخل” لاختبار درجة ”الثقة” فيما عبّرت عنه من إيجابيات.

يبدأ الاجتماع حول الطاولة المستديرة بالسؤال التالي للمجتمع: هل يعني وصول مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي عند 58.57 في المائة، ارتفاع نسبة التنويع الإنتاجي لدينا؟ إجابة وزارة الاقتصاد والتخطيط: ”لا”. المجتمع: لماذا؟ الوزارة: لأنها لم تتجاوز 11 في المائة طوال 43 عاماً مضت! المجتمع: لماذا لم ترتفع تلك النسبة رغم ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد؟ الإجابة: لأن تسعة أعشار نشاط القطاع الخاص، قائم على تنفيذ مناقصات الحكومة والاستيراد من الخارج! ولا يتوافر لديه تلك الميزة الإنتاجية المتنوعة اللازمة لمنح الاستقلالية الكافية للاقتصاد.

المجتمع: حسناً، ألهذا تتسم وظائف القطاع الخاص بانخفاض كل من مهاراتها اللازمة، ومستويات أجورها؟ الإجابة: ”نعم”، وأمام المرونة العالية لدى القطاع الخاص لطلب العمالة الوافدة من الخارج، استطاع الضغط على مستويات الأجور الممنوحة بما لا يتجاوز 7 في المائة من تكلفة التشغيل. المجتمع: ما رأي وزارة العمل هنا؟ الإجابة: أمامنا تحدّ كبير متمثّل بالبطالة المرتفعة بين المواطنين والمواطنات، وليس أمامنا سوى تلك الوظائف لتوطينها! وعلى أنّها متدنية المهارات والأجور فلا خيار أمامنا غيرها، وقد ضغطنا على القطاع الخاص لرفع الأجور بحد أدنى إلى ثلاثة آلاف ريال شهرياً.

يوجّه المجتمع سؤالاً: ألهذا ارتباط بانخفاض الإنتاجية؟ وأنّ رفع الأجور غير المرتبط بالإنتاج، سيؤدي إلى رفع معدل التضخم على المواطنين ذاتهم الذين تم توظيفهم؟ وأيضاً، ألا يُعد هدراً للموارد المالية والبشرية أن يتم حشر مخرجات التعليم العام والفني والعالي في تلك الوظائف غير الملائمة أصلاً لها؟

يجيب كل من على ”الطاولة”: نعم هو كذلك، لكنّه خيار أقل مخاطرة من إبقاء الوضع الاقتصادي على ما هو عليه! المجتمع: ألا توجد خيارات أخرى؟ الإجابة من وزارة الاقتصاد والتخطيط: نعم توجد، بموجب الاستراتيجية طويلة الأجل لدينا، يجب تحويل الفوائض الناتجة عن إيرادات المواد الأولية الناضبة المصدّرة للخارج إلى أصول منتجة محلية، لتنشأ عنها مشروعات إنتاجية تنوّع قاعدة الاقتصاد، وتخلق فرصاً واسعة ولائقة للعمل أمام المواطنين والمواطنات! المجتمع: ممتاز، لماذا لم يحدث تقدّم على هذا الطريق المرسوم في خططكم؟ يُطبق الصمت على الجميع، فيما ترمق الأعين بحذر وترقّب كلاً من وزارتي المالية والتجارة والصناعة.

يأتي صوتٌ منخفض مجهول المصدر: الطاقة الاستيعابية للاقتصاد دون القدرة على تحمّل ضخ مزيد من الاستثمارات في مشروعات محلية، كما أنّ البنى التحتية ”طرق، سدود، كهرباء، مياه… إلخ” لا تزال دون المستوى المأمول لضخ حجم أكبر من تلك الأموال داخلياً. المجتمع متسائلاً: لماذا؟ ألم تنفق الدولة خلال عقد مضى عليها أكثر من 1.8 تريليون ريال؟ وزارة المالية تجيب: جزء كبير منها لم يتم الانتهاء منه، ولا يعد هذا تعثّراً أو تأخّراً في التنفيذ! المجتمع: ماذا يعد إذاً؟! تتأخّر الإجابة، فيلتفت المجتمع إلى الهيئة العامّة للاستثمار: ألا يوجد أي تعليق حول المدن الاقتصادية الجديدة؟ الهيئة تجيب: لا تعليق!

لم ينته الاجتماع؛ فلا تزال له بقية، يبدو أنّ الجميع في خشيةٍ كبرى من تعليق الجرس.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/12/28/article_810993.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.