ماذا يريد السعوديون من الميزانية؟

إنّه السؤال الأهم الذي يريد الجميع أنْ تترجم نتائجه على أرْض الواقع، دون ما يتم تدوينه في طيّاتِ آلاف التقارير، ولا أُبالغ أنّه قد يكون الوحيد أيضاً. أغلبية الأفراد لا يعنيهم كثيراً الخوض في التفاصيل، بقدر ما يهمّهم- بالدرجة القصوى- أنْ تتوافر أمامهم الخيارات الإنمائية المثلى كافّة؛ في مقدمتها: توافر فُرص العمل الكريمة للمواطنين والمواطنات في سن العمل، ارتقاء أداء قطاعات الصحة والتعليم والنقل والكهرباء والمياه والصرف الصحي وبقية الخدمات البلدية لمستوى احتياجات الفرد والأسرة، سهولة الحصول على المسكن، هذا بالإضافة إلى ضرورة رفْع مستوى العناية بما يليق فعلياً تجاه الشرائح الاجتماعية الخاصّة كالمتقاعدين والأرامل والمطلقات والفقراء والعاطلين عن العمل وذوي الاحتياجات الخاصّة.

وبالنّظر في أرقام الميزانية الحكومية طوال أكثر من أربعة عقودٍ زمنية مضتْ، ومساهمتها الكبيرة في الدفع بعجلة الاقتصاد الوطني، نجد أنّها تحتل المرتبة الأولى كأهم العوامل المؤثرة في الأداء الاقتصادي أولاً، ومستوى الإنماء المتحقق ثانياً، ويمتد أثرها إلى مختلف أوجه النشاط الاقتصادي المحلي دون استثناء أي نشاط. من هنا تستمد الميزانية أهميتها القصوى على المستويات كافّة، يأتي في المقدّمة إنسان هذا الوطن العزيز، متطلعاً إلى ترجمة كل تلك المعطيات الإيجابية في الوقت الراهن إلى ما يحفّزه بصورةٍ أكبر على المشاركة الفاعلة في بناء ونهضة وطنه ومجتمعه.

نحمد الله جميعاً على ما أنعم به على هذه البلاد وأهلها من خيرٍ وفير، ونعمة الأمن والاستقرار ”وَإِنّ تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ” سورة النحل (18). يتمتّع اقتصادنا من حيث الإمكانات والموارد بالأفضل مقارنةً مع بقية دول العالم في الوقت الراهن، وهو أمرٌ تؤكّده الأرقام المالية المعبّرة عن مستوى الإيرادات الحكومية والفوائض السنوية، وانخفاض حجم الدين العام، ما يعني في مؤداه النهائي إمكانية تحقق الخيارات الإنمائية أعلاه بنسبةٍ كبيرة جداً.

أظهرتْ دراسات ”قياس كفاءة الأداء” بالنسبة لقطاعات التعليم والخدمات الصحية والتنمية الاجتماعية والنقل والخدمات البلدية والمياه والزراعة والصناعة والموارد الاقتصادية الأخرى خلال الفترة 2007-2011، انحصار مؤشرات أدائها بين 13.5 في المائة كحد أدنى إلى نحو 24.1 في المائة كحد أعلى. إنّها- ولا شك- نسبٌ متدنية جداً، لا ترتقي أبداً إلى الاعتمادات القياسية التي وقّعتها الدولة لأجل الإنماء الشامل والمستدام في البلاد، يكفي القول هنا أنّ إجمالي ما تم اعتماده منذ بدء خطّة التنمية الثامنة مروراً بخطة التنمية التاسعة التي تكمل 4 سنواتٍ منها بنهاية العام الجاري بلغ 1.8 تريليون ريال، تضمّنتْ أكثر من 22.6 ألف مشروع حكومي، فيما لم تتجاوز قيمة المشروعات التي بُدئ في تنفيذها لنفس الفترة سقف 1.1 تريليون ريال (59.0 في المائة من قيمة الاعتمادات)، ووفقاً للتقارير الصادرة عن الغرف التجارية وورش العمل التي تعقدها سنوياً، عانتْ المشروعات الحكومية تحت التنفيذ من التعثّر والتأخّر بنسبٍ تراوحتْ بين 10 في المائة إلى نحو 40 في المائة، وهو ما يزيد من الضغوط على تسارع حركة الإنماء، ويتسبب في بطء تقدّمها بالصورة المستهدفة، ويتأخّر كثيراً عن الضخّ المالي القياسي غير المسبوق المخصص للمشروعات.

ركّزتْ عملية ”قياس كفاءة الأداء” على ما تمَّ إنجازه، مقارنةً بالمخطط، سواءً في خطّة التنمية، أو في الموازنات المالية السنوية، واستهدفتْ التعرّف على مستوى كفاءة أداء جميع تلك الأجهزة الحكومية المعنيّة بما لديها من مسؤوليات ومشروعات. وتتسم عملية قياس كفاءة الأداء بالأهمية القصوى من خلال قيام الأجهزة الرقابية في الجهاز الحكومي بمثل هذه الخطوة الرقابية الضرورية جداً، واستمرارها بصفةٍ دورية، لدورها المحوري في رفْع كفاءة أداء الأجهزة الحكومية، وإحكام الرقابة على التصرّف بالمال العام، وتفعيل مسؤول تجاه تلبية الاحتياجات الحقيقية للمواطن والمجتمع والوطن على حدٍّ سواء، دعْ عنك ما نصّتْ عليه خطط التنمية أو إعلانات الموازنات المالية الحكومية.

تتزاحم الاحتياجات الإنمائية المتنامية العدد والحجم، أمام الوفورات والإمكانات والموارد القياسية، ووفقاً للمعرفة التامّة بالقدرة الهائلة التي تتمتع بها تلك الإمكانات والموارد المتاحة على تلبية تلك الاحتياجات الإنمائية، سيبرز هنا أهمية ”حُسْن الإدارة والتدبير” و”ضرورة القضاء على الفساد”، كأهم عاملين يجب أن يتوافرا لدى ”الماكينة” المسؤولة عن تحقيق النجاح المنشود لتلك المعادلة بين الاحتياجات الإنمائية من جهة، والإمكانات والموارد المتاحة من جهةٍ أخرى!

وكما تُظهر نتائج ومؤشرات عملية ”قياس كفاءة الأداء” المستندة إلى الأرقام الرسمية للميزانيات وخطط التنمية، فإنّ انخفاض مستوى العاملين المشار إليهما أعلاه: (1) حُسْن الإدارة. و(2) مكافحة الفساد. هما الطريقان الواجب الإسراع في تعزيزهما، والارتفاع بمستوياتهما بصورةٍ أكثر تركيزاً وجدّية. لا يجب أن يظنّ المرء هنا أنها مهمةً يسيرة التنفيذ؛ إنّها تقتضي جهداً طويلاً وشاقا، وعمْقاً بعيداً في الكثير من التفاصيل، تبدأ مهامها من أوّل فقرةٍ مرسومة في السياسات والبرامج الاقتصادية، مروراً بآليات تنفيذها ومتابعة تحقيقها على أرض الواقع، وانتهاءً بإجراءات المراقبة والمراجعة والمحاسبة. وهو ما يمكن القول عنه هنا إنّه الشغل الشاغل لدى الكثير من الكتّاب والمهتمين، يحذوها جميعها الأمل الكبير بتحقق التقدّم على مختلف مستوياتها.

إنّ (الماكينة المسؤولة عن تحقيق النجاح المنشود لتلك المعادلة بين الاحتياجات الإنمائية من جهة، والإمكانات والموارد المتاحة من جهةٍ أخرى) باختصارٍ؛ هي المنطقة المسؤولة مسؤولية كاملة عن الإجابة عن سؤال المقال: ماذا يريد السعوديون من الميزانية؟ ولكي تُجيب إجابةً تلامس درجة النجاح أو تتجاوزه، فلا بد أنْ يتسم فعلها وأداؤها بـ (1) حُسْن الإدارة والتدبير و(2) مكافحة الفساد والقضاء عليه. جعلها الله ميزانية خير وعطاء ونماء على بلادنا وأهلها.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/12/23/article_809579.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.