البرامج الحوارية .. بين الإفلاس والثراء

إنّها أُم الحكايات خلال السنوات الأخيرة، الأكثر لفتاً للانتباه على المستويات والاتجاهات كافّة، تفجّرتْ فجأةً دون سابق إنذار بلغة وبصوت لم يكن معهوداً في مرابعنا، لكأن اكتشافها أشبه باكتشاف آبارِ النفط!

وجدتْ فيها مختلف القنوات الفضائية مصدر دخل يدرّ عشرات الملايين من جيوب المعلنين والرعاة. ووجدتْ عبرها مختلف شرائح المجتمع قنوات لإيصال صوتها ومطالبها، وعرْض مشاكلها وأوجاعها. ووجد من خلالها أصحاب الرأي والقلم نافذةً جديدة أكثر فاعلية لإيصال طروحاتهم ومساهماتهم في مختلف قضايا الشأن العام إلى العموم.

جمع كل تلك الأطراف عنصر "الجرأة" في الطرح الإعلامي، بغض النظر عن مصداقيته وموثوقيته، لكنّه تفرّق في عناصر أخرى تختصُّ بكل طرف من الأطراف أعلاه دون الطرف الآخر! فالقنوات وإنْ زعمتْ حمْلها عنوان الحيادية والموضوعية، كان أغلبها باحثاً عن العائد المادي، وهو أمرٌ يصعب إنكاره في هذا الزمن المادي، ولعل القارئ الكريم يسترجع ذاكرته قليلاً للوراء، فينظر ماذا اندثر من البرامج؟ وماذا ظهر منها؟ وأنّ العامل المؤثّر لم يتعدَّ لغة المال.

أمّا بالنسبة إلى المجتمع؛ فعلى الرغم من توافر القنوات التي مكّنته من إيصال أصوات أفراده؛ كوسائل التواصل الاجتماعي، أو الصحافة التي ارتفع سقف حريتها أيضاً، إلا أنّ البرامج الحوارية حظيتْ بنسبة اهتمام كبيرة من قبل الأفراد، أتاح لها فرصة إشهار القضايا الخاصّة منها والعامة، لمستْ فعاليتها من خلال استجابة العديد من الجهات المعنيّة بتلك القضايا فور بثّها على الهواء مباشرة. باختصار وجدتها وسيلة فاعلة لتجاوز المعوقات والإجراءات البيروقراطية، التي كما يبدو من واقع التجربة الماثلة أمامنا "البرامج الحوارية" أنّ ضخامة عدد تلك التعقيدات، تحوّل إلى ما يشبه "رأس المال" الممول لتلك البرامج! كلّما زادتْ تعقيدات أي من الأجهزة الحكومية أو حتى الشركات، كلّما زادتْ من استقطاب البرامج نحوها، عزز هذا الاستقطاب زيادة الاهتمام من قبل أفراد المجتمع سواءً المتضررون منهم جرّاء تلك التعقيدات، أو من المهتمّين والمتعاطفين مع تلك الشرائح من المجتمع.

آتي للطرف الأخير؛ أصحاب الرأي والقلم، هنا تتشعب بك البوادي والقفار، لا أستطيع صادقاً هنا تصنيف هذا الجمع الغفير منهم، فلكلٍ منهم منهجه الفكري والعلمي، ولكلٍ غاياته بغض النظر عن خيرها وشرّها، ولكلٍ منهم رصيده الخاص من القدرة والتحمّل على التوغّل خلف الخطوط الحمراء، حسب مصالحه التي قد يخسر جزءاً منها أو كلّها، وحسب الأضرار التي قد يكابدها من خصومه، وإنْ كنت لا أُغفل هنا على الإطلاق عامل الخوف من الله بالنسبة لكل صاحب رأي، كل حسب ما آتاه الله من الإيمان به، وأنّه المطلع – جلّتْ قدرته – على ما تُخفي الصدور.

لن أزعم هنا أن مقالي هذا تقييم لتجربتنا في السعودية مع تلك البرامج، فالتقييم يتم بصورةٍ يومية، ولحظةً بلحظة بصورةٍ واسعة النطاق من قبل مجتمع المشاهدين، لعل أوضح مكاشفاتها الحقيقية ما هو مدوّن على حسابات مئات الآلاف من الأفراد على تويتر وفيس بوك، وتحت مقاطع تسجيل تلك البرامج على موقع اليوتيوب. الأمر هنا ليس قابلاً لأي توجيه من أي جهةٍ كانت، ولا خاضع لأي معيار أو تحكم، كل يُدلي بدلوه في حرّية تامّة لم يسبق لها مثيل، وهذا ليس حكراً علينا هنا في مجتمعنا، إنّها حرّية رأي عمّتْ مجتمعات العالم المعاصر كافّة.

الذي أريد قوله هنا، إنّ تلك البرامج الحوارية أصبحت عنصراً مضافاً إليه وزنه المعتبر في حياتنا، فهي تتأثّر وتتغذى من القضايا التي تشغل اهتمام المجتمع، وفي الوقت نفسه تترك آثاراً لا يستهان بها في حياة أفراد المجتمع! بل إنّها في أحيانٍ كثيرة، أصبحتْ مصدر إلهام، وصناعة اتجاهاتٍ جديدة للعديد من القضايا الاجتماعية. هذه تجربة يمكن وصفها بالحداثة -زمنياً- علينا كمجتمع مرّ ويمر بالعديد من التحولات شأنه شأن أي مجتمع آخر، ترتفع درجة تأثيرها لدينا قياساً على الميل الأكبر لدى مجتمعنا للمشاهدة والاستماع أكثر من القراءة! وشاهد هذا حاضرةٌ صوره ودلائله في الكثير من الجوانب؛ فالقضايا التي تم طرحها عبر تلك البرامج الحوارية، ليست وليدة زمن تلك البرامج، بل تسبقها بسنواتٍ طويلة أو حتى عقودٍ. وأصحاب الرأي الذين اشتهروا عبر تلك البرامج المختلفة؛ بعضهم تخطّى الثلاثة عقودٍ من الزمن وهو يكتب ويتحدث حول تلك القضايا، فليس دقيقاً على الإطلاق أنْ يعتقد الكثير من أفراد المجتمع أن تلك الشخصيات وليدة المرحلة.

من يظنّ أنّ بمقدرته التحكم والسيطرة على المرحلة، أعتقد أنّه يهرول خلف السراب! ولا أبالغ إنْ نصحته بالعمل من الآن بسرعة التكيّف مع ما سيأتي من تطوراتٍ تلي ما وصلتْ إليه التجربة. ينبغي أن ينصب التركيز على (المبادئ، والقيم، والأخلاق) التي لا يوجد غيرها بالقدر نفسه من الفعالية، التي يمكن الاعتماد عليها والمراهنة، ألا تخرج الأمور عن السيطرة، وأن تنحرف على أثرها تلك البرامج أو غيرها من المجالات المشتركة اجتماعياً، لتميل ميلاً مجحفاً نحو أغراض ومصالح أيّ من تلك الأطراف على حساب الأطراف الأخرى، وقبل كل ذلك على حساب المصلحة العامّة للبلاد والعباد.

لست بصدد اتهام أي طرفٍ من الأطراف، ولكن لن يكون محموداً أبداً أن تفرط المؤسسات الربحية خلف القنوات الفضائية في فعْل ما تريد تحقيقاً لمصالحها الإعلانية، وكذا الحال بالنسبة إلى المجتمع وأصحاب الرأي، يجب أن تُرسّخ القاعدة الثلاثية (المبادئ، والقيم، والأخلاق)، كي لا يتحوّل (منجز بناء) تلك البرامج الحوارية إلى (معول هدْم)، وهو العامل الأهم هنا! وكي لا تتحوّل تلك البرامج من فضاءٍ يتسم بالحرية لقول الحقيقة المسؤولة ولا غيرها إلى مجرّد ساحة لهوٍ للتنفيس المجتمعي، لتحقق من خلالها تلك القنوات أعلى الإيرادات على حساب الملايين من أفراد المجتمع، الباحثين عن حلول ومخارج لهمومهم وأوجاعهم! وأخيراً، ليعلم أصحاب الفكر والرأي المشاركون في تلك البرامج، أن القضية وفق تلك القاعدة الثلاثية أعلاه، ليست إلا فضاءً معاصراً لأجل طرح كلمة الحق ولا سواها، طرح الكلمة والفكرة الصادقتين اللتين تراقبان الله قبل أي مخلوقٍ غيره، واللتين تستهدفان الإصلاح والخير والتقويم، لا تجاملان فلاناً من الناس، ولا تتعدّيان على الغير دون دليل.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/12/21/article_809039.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.