اختلاف الجهل .. العدو الحقيقي

ماذا يعني الاختلاف على ما هو غير قابلٌ للاختلاف؟ يحدث هذا فقط بصورة أبرز من غيره في مجالنا الاقتصادي والإداري؛ فعلى الرغم من تغلغل العديد من التحديات أو الأزمات الاقتصادية والإدارية في واقعنا المعاش، إلا أنّ اللافت أو قلْ الباعث على القلق، أنْ تجد أصواتاً تحاول تشتيت انتباهنا عن أصل تلك الأزمات، ومن يدفع الثمن أولاً وآخراً في النهاية هو المصلحة العامّة للبلاد والعباد، وبصورة أكبر المتضررين من ديمومة وتفاقم تلك الأزمات.

إننا لا نزال في اختلاف عظيم على تحديد (1) المفاهيم، (2) المقاييس والمؤشرات. لديك الفساد، البطالة، الفقر، تعثّر وتأخّر المشروعات، كفاءة الأداء، الاحتكار، أزمة الإسكان، غلاء الأسعار والتلاعب بها، شحّ ”تشحيح” الأراضي … إلخ، وهذه المفردات ليستْ إلا غيضاً من فيض، وليست إلا على سبيل المثال لا الحصر ..

إنْ نظرتَ إلى الاختلاف على مستوى المفاهيم أو تعريف تلك المفردات، فستجد أنّك أمام مفارقات بالغة؛ فتعريف الفساد في ذهنية الوزير والمسؤول مختلفٌ عن ذلك الذي يدركه المواطن، وتعريفا المسؤول والمواطن كلاهما يختلفان عمّا يستقر في ذهنية الكتّاب والمختصين والمراقبين، ولا يقف الاختلاف عند هذا الحد؛ بل إنّ جميعها تختلف كثيراً في تفاصيلها عمّا تعكف هيئة مكافحة الفساد على محاربته وتجريمه، أمّا إنْ أردتَ أنْ تقف على ذروة الدراماتيكية في هذا الخصوص، فأنصتْ إلى ما سيتفضّل به أعضاء مجلس الشورى في هذا الخصوص وغيره من القضايا والتحديات، فالاختلاف هنا لا يقف عند مفهوم الفساد فقط، بل إنّه يعبر سماوات أغلب مفاهيم وتعريفات القضايا والتحديات التي نواجهها يومياً، إنْ لم يكن جميعها.

حسناً؛ إذا كان الاختلاف قد توسّعتْ دائرته بتلك الصورة أعلاه، هل من المتوقع أنْ يتحقق أي نوع من التوافق على مقاييس تلك المتغيرات ومؤشرات أدائها؟ لا أظنّ أننا سنختلف هنا على الإجابة بالنفي! فما بدأ باختلاف على تعريفه وتحديد مفهومه، أي من نقاط متباعدة، لا يمكن أن يصل في نهايته إلى نقطة واحدة متفقٌ عليها.

لتدرك أيها القارئ الكريم خطورة ما أتحدّث عنه هنا، عليك أنْ تنظر إلى ما يلي استمرار ذلك الاختلاف، خاصةً المرتبط بما ستُبنى على ضوئه أية قرارات أو إجراءات، وفقاً للمفهوم المعترف به بصورة رسمية، ووفقاً لمقاييسه ومؤشراته. مثال ذلك البطالة؛ ماذا سيحدث إن تبنّتْ وزارتا الخدمة المدنية والعمل آخر ما توصّلتْ إليه اللجنة الخاصة بالبطالة في مجلس الشورى، أنّه لا يوجد بطالة بين السعوديين، ومن ثم فإن معدّل البطالة يساوي ”صفرا”؟ وماذا سيحدث إنْ تبنّت وزارة الإسكان ما توصّلتْ إليه وزارة الاقتصاد والتخطيط، أنّ معدل تملك المواطنين لمساكنهم فاق الـ 61 في المائة، وتجاهلتْ في الوقت ذاته أعداد المتقدّمين بالملايين على صندوق التنمية العقارية طلباً للمساكن؟ وماذا سيحدث إن تبنّت الوزارة ذاتها توصيات اللجنة العقارية في الغرف التجارية، بأن أسعار العقارات والأراضي معقولة، وناتجة عن توازن قوى العرض والطلب في السوق العقارية؟ وماذا سيحدث إنْ تبنّتْ وزارة التجارة والصناعة وجهات نظر التجّار في خصوص عدالة الأسعار، وأنّهم لا يتلاعبون على الإطلاق بها. أو فيما يخص سلامة السلع والخدمات من أية تجاوزات بالغش والتدليس، وأنّهم لا يمكن أنْ يخلّوا أبداً بالأنظمة والإجراءات المنظمّة للسوق المحلية؟ ومئات الأسئلة الأخرى .. ما النتيجة يا تُرى؟ أترك الإجابة للقارئ الكريم.

الخروج من هذا المأزق ليس بالأمر المعقّد! إنّه الخطوة الأسهل، وهو أيضاً الخطوة الأهم! وهو المتمثل في تحديد المفهوم الحقيقي والموضوعي لتعريف أيّ من تلك التحديات والتشوهات، التي منها ما ذُكر أعلاه على سبيل المثال لا الحصر. لن نأتي بتعريفات أو مفاهيم مبتكرة، نلتزم فقط بما أُتفق عليه علمياً، وتم العمل به في جميع أنحاء العالم. لاحقاً، ستأتيك طواعية مقاييسها ومؤشراتها، وليس لهذه شرط آخر غير توافر بياناتها وإحصاءاتها الدقيقة والموثوقة.

عجباً؛ ما دام أنّ مسألة الخروج من هذا المأزق بهذه السهولة، والأهمية على حدٍّ سواء، وأنّها تنحصرُ فقط في هاتين الفقرتين، خاصةً تلك الخطوة المتمثلة في تحديد المفهوم الحقيقي والموضوعي للمتغيرات، فلماذا لا نستطيع اجتيازها؟! للحق؛ هذا ما لا يريده ”المستفيد” من بقاء وديمومة تلك التشوهات أنْ يتحقق، لأنّه يعلم تمام العلم أنّ تجاوزها، يعني شيئاً واحداً لا ثاني له، إنّه يعني انكشافاً تاما لسوءته أمام القوانين والمجتمع! فما أسعده والجميع منشغلٌ بالصراع مع الاختلاف، وما أتعسه إنْ زال الاختلاف وانكشفت حقيقته.

دعْ عنك مقولة ”الجزء الفارغ من الكأس، والجزء المملوء منه”، ودعْ عنك من ينظر إلى أيّ من الجزءين! كن دقيقاً ومحدداً، فقد تجد من ينظر للجزء الفارغ من الكأس، على أنّ الفراغ الذي جذب اهتمامه لا يتعدّى 0.1 في المائة، والعكس صحيح. كن على يقين تام، بأنّه لا يمكن الوقوف على أرض صلبة مشتركة بين اثنين؛ أحدهما يعتقد الشمال جنوباً، والآخر يعتقد عكسه، يجب أن تتوحد الأسس والثوابت، ومن ثم يمكن قبول ما بعده والتعايش مع حيثياته. الجهل سوادٌ يحجب البصر والبصيرة، فيما العلم سلطانٌ بيد صاحبه! لم يكن مقدّراً للإنسان منذ اُستخلف في هذه الأرض أنْ يعمرها ويسود فيها لولا ”العلم”، ولم يكن له أنْ يتسلّط على غيره إلا بجهل غيره، ولم يكن ليتفوّق على منافسيه إلا بما بلغه من علم أكثر من علم منافسيه، وتلك سنّة الله في الأمم والحضارات.

العودة إلى أصل المتغيرات والتحديات والأزمات التي نواجهها في حياتنا، بالعمل على تحديد مفاهيمها بصورة موضوعية وعلمية، والالتزام بها، خطوةٌ لا مفر منها، وأي هروب أو مراوغة عنها لا يعني النجاة منها بقدر ما يعني ورطةً أكبر تنتظر ذلك المراوغ في المستقبل! وعلى ضوء تلك الخطوة الجسورة، ستأتيك الحقيقة كما هي دون تزييف، ما عليك إلا أنْ تتعامل معها وتواجهها بما يتوافر لديك من موارد وإمكانات.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/12/16/article_807881.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.