لا يوجد لدينا بطالة

كان هذا آخر ما تم التوصّل إليه من قبل اللجنة الخاصة في مجلس الشورى، ببحث قضية ”البطالة” في المملكة، التي واجهتْ اعتراضا كبيرا من لدن بقية أعضاء المجلس، ومن مختلف شرائح المجتمع السعودي! أمرٌ لافت جداً التوصّل إلى هذه النتيجة البعيدة تماماً عن واقع واحدٍ من أهم وأخطر التحديات التي يواجهها اقتصادنا الوطني. لماذا يا تُرى وصلنا إلى هذا التناقض والاختلاف حول قضيةٍ هي أوضح من الشمس في كبد السماء؟

في البداية، تعتمد مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في تعريفها للبطالة على تعريفٍ مقيّدٍ لها، حيث تستبعد من العاطلين عن العمل الفئات التالية: (1) الباحثون عن العمل بشكل مستمر أو شبه مستمر، لكنهم لم يقوموا بالبحث عن عمل ”أسبوع الإسناد”. (2) الأفراد الذين بحثوا عن العمل لوقتٍ طويل ثم توقفوا عن البحث بعد تعذّر حصولهم على عمل، أو وصلوا لقناعة بعدم وجود وظائف. (3) الأفراد الذين بحثوا ووجدوا عملاً، إلا أنّ الراتب لا يتناسب معهم. (4) الأفراد الذين قدّموا أوراقهم لوزارة الخدمة المدنية أو لجامعات معينة وفضلوا الانتظار، الذي قد يبلغ عدّة سنوات، على قبول عمل بأجر متدنٍ. (5) الأفراد الذين يفضّلون الانتظار في بيوت ذويهم إلى أن يجدوا الوظيفة المناسبة. كل تلك الفئات لا تدخل ضمن إحصاءات ”البطالة” وفقاً لمصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات.

كما يقوم بحث مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات بهدف حصْر وتحديد العاطلين عن العمل على ”الأسرة”، معتبراً إياها محور البحث، ويستخدم أسلوب الاتصال المباشر بالأسرة، حيث يقوم الباحث بزيارة الأسرة، ويتم تسجيل البيانات خلال فترة البحث وتستوفى بيانات الأسر الواقعة بالعينة في الاستمارة الخاصة بالبحث. ويغطّي نطاق البحث ”عينة” تمثّل جميع المناطق الإدارية الـ 13 في المملكة، حيث بلغت العينة 23 ألف أسرة سعودية وغير سعودية فقط.

لقي هذا الأسلوب المتبع من مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في تقدير أعداد العاطلين عن العمل، ومن ثم احتساب معدل البطالة انتقاداً وتحفّظاً من وزارة العمل وفق ما ورد في ”استراتيجية التوظيف السعودية” ص 29، فليس من المقبول استبعاد تلك الفئات التي حددتها المصلحة، ولا على نتائج المسح الذي شمل عينةً ضيقة من الأُسر، وهو ما يُخرج لنا ”معدل بطالة” غير دقيق، ولا يعبّر أبداً عن واقع سوق العمل المحلية، ولا عن الحجم الحقيقي للباحثين عن عمل.

إذاً ما البديل لمعرفة الحجم الفعلي لعدد العاطلين عن العمل ”ذكور، إناث”، الذي بناءً عليه يمكن احتساب معدل البطالة بين المواطنين؟ للتذكير بمعادلة استنتاج معدّل البطالة، أنّها التي تساوي ناتج ”قسمة” عدد العاطلين عن العمل، على مجموع البنود التالية ”عمالة القطاع الحكومي + عمالة القطاع الخاص + عدد العاطلين عن العمل” أو ما يُسمّى بالقوى العاملة من المجتمع. هذه هي المعادلة باختصار.

الآن وفقاً للتحفّظات الكبيرة لاستراتيجية التوظيف السعودية على طريقة مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في تحديد عدد العاطلين عن العمل، سيكون البديل الأكثر دقة والأفضل اعتماداً -وفقاً للمتوافر من البيانات المنتظمة- هو ما تحتويه قاعدة بيانات صندوق الموارد البشرية، التي تشمل جميع بيانات طالبي العمل من الذكور والإناث، ومؤهلاتهم العلمية، والخبرات العملية، والأعمار، والمواقع الجغرافية، وجميع المعلومات والإحصاءات اللازمة للتعرّف على تلك الشريحة الممثلة فعلياً للعاطلين عن العمل.

وبالرجوع إلى البنود الرئيسة المكوّنة لمعادلة احتساب البطالة أعلاه، سنجد أنّ جميعها أصبح متوافراً ومنتظم النشر والإفصاح في الوقت الراهن، فبيانات العمالة في القطاع الحكومي، أصبحت وزارة الخدمة المدنية تنتظم بنشرها بصورةٍ شهرية وسنوية، وبيانات العمالة في القطاع الخاص، تقوم بنشرها وزارة العمل بصورةٍ سنوية، وفي إمكانها بالوقت الراهن أن تنتظم بنشرها بصورةٍ شهرية، أمّا بيانات العاطلين عن العمل فمنذ مطلع 2011، أصبحت متوافرة بصورةٍ أكثر تفصيلاً من أي وقتٍ مضى لدى صندوق الموارد البشرية، انتظم الصندوق في نشرها حتى نهاية العام الماضي بصورةٍ شهرية، لكنّه توقّف عن تلك الشفافية مع مطلع العام الجاري لأسبابٍ مجهولة، غير أنّ هذا التصرّف لا يقف حائلاً أمام الاعتماد على تلك البيانات التفصيلية لدى الصندوق.

لقد تجاوزتْ سوق العمل المحلية بمسافاتٍ كبيرة معضلة تأخّر أو انعدام توافر البيانات اللازمة لتشخيصها، فمع توافر البيانات وفقاً للمرحلة الراهنة، وانتظام نشرها، ودقّة أرقامها، وارتفاع درجة الموثوقية في مصادرها. أعتقد أنّه وفقاً لتلك الحقائق القائمة، لم يعد مقبولاً على الإطلاق من أيّ جهةٍ كانتْ أنْ تتأخّر أو تمتنع عن تقديم الجهد اللازم عليها، والواقع تحت مسؤوليتها، والمكلّفة نظاماً به.

إنّ من أهم أسباب الخلاف القائم الآن حول أحد أهم وأكبر التحديات التنموية ممثلةً في البطالة، الذي وصل إلى مرحلة أنْ يتم نفي وجودها؛ هو التأخر غير المسؤول من قبل مختلف الجهات المعنيّة بتقديم جميع البيانات اللازمة حول أعداد العاطلين عن العمل! وكما أشارتْ استراتيجية التوظيف السعودية، كان نقْص البيانات أو تعددها بصورةٍ غير منتظمة، أحد أهم الإشكالاتْ التي تحد من قدرة الجهات التنظيمية على تشخيص الحالة. في الوقت الراهن ومع توافر كافّة البيانات اللازمة لتشخيص حالة سوق العمل المحلية، لم يعد غياب البيانات هو المعضلة! أصبحتْ المعضلة الحقيقية هي إمّا عدم نشرها، أو عدم الاعتماد الرسمي عليها، وهذه مشكلة خطيرة تعكس قصوراً لدى تلك الجهات، لا يوجد له أيّ تفسيرٍ مقنع.

لقد حذّرتْ استراتيجية التوظيف السعودية من خطورة عدم الالتزام بما جاء فيها من سياسات وبرامج، وأوردتها صريحةً في ص 172 – 173 أن عدم تنفيذها سيترتب عليه استمرار الأوضاع الحالية في سوق العمل بما في تلك السوق من تشوهات، ما يعني تكلفة الفرصة الضائعة الناتجة عن عدم تنفيذها، وحددتها في النقاط التالية: (1) استمرار البطالة في الارتفاع. (2) استمرار أعداد العمالة الوافدة في الزيادة. (3) استمرار هامشية العمالة السعودية في القطاع الخاص ”من أخطر صوره، التوظيف الوهمي”. (4) استمرار الانفصام بين التعليم والتدريب من جهة، وسوق العمل من جهة أخرى.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/12/14/article_807343.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.