8 أسئلة لوزير العمل

تمثل البطالة بين صفوف المواطنين والمواطنات في بلادنا أحد أكبر التحديات الجسيمة، التي تضاف إلى الثقل الكبير للتحديات التنموية الأخرى المتمثلة في أزمة الإسكان، التأخر في تنفيذ مشروعات البنى التحتية، الفساد الإداري والمالي، انخفاض التنوع في القاعدة الإنتاجية.

مثلت الخطوة الأخيرة لتصحيح أوضاع العمالة الوافدة المخالفة للأنظمة، قفزة نوعية بالغة الأهمية، يؤمل فعلياً استمرارها بصفة دائمة بالقوة نفسها لحماية مقدرات الاقتصاد الوطني من التشوهات العميقة التي تخلفها وراءها، لعل من أخطرها تفاقم نشاطات اقتصاد الظل، إضافة لدور تلك الجهود التصحيحية في زيادة فرص التوظيف أمام العمالة الوطنية، بما يسهم في خفض معدلات البطالة، وزيادة دخل المواطنين.

لكن هل ستكون تلك الحملة كافية فقط لتحقيق كل ذلك؟ بالطبع أن الإجابة التي تأخذ في عين الاعتبار مختلف العوامل المؤثرة على سوق العمل المحلية، تقول بصريح العبارة ”لا”، فهي لا تتعدى كونها عاملاً ضمن عوامل عديدة أخرى، تقتضي مهمة النجاح في مواجهة تلك التحديات المرتبطة بسوق العمل، أن يعضدها عوامل أخرى لا تقل أهمية عنها، لعل من أهمها: (1) النمو الحقيقي لإجمالي الناتج المحلي غير النفطي (تحديداً للقطاع الخاص)، الذي يرتبط بعلاقة وثيقة ومؤثرة مع مستويات توظيف العمالة الوطنية كما سيتبين بعد قليل. (2) تقليص الفجوة بين المؤهلات العلمية المرتفعة التي يتمتع بها طالبو العمل من المواطنين من جانب، ومن جانب آخر مؤهلات الفرص المتاحة في الوقت الراهن بالقطاع الخاص، التي يتشكل أغلبها من وظائف ذات مهارات متدنية جداً.

هذا بدوره ينقل الحديث عن (3) مستويات الأجور المرتبطة بتلك الوظائف المتاحة، التي تعد وفقاً لانخفاض المهارات اللازمة لشغلها متدنية أيضاً، فعدا أنها أقل من إعانة ”حافز” البالغة ألفي ريال شهرياً، وعلى الرغم من اشتراط ألا تقل أجور المواطنين عن ثلاثة آلاف ريال شهرياً، إلا أنها تعتبر أدنى بكثيرٍ من: (أ) مستويات الأجور للمؤهلات العلمية نفسها لدى طالبي العمل من المواطنين المتوافرة في القطاع الحكومي. و(ب) متطلبات مواجهة تكاليف الأعباء المعيشية الراهنة. و(ج) مستويات الأجور المعيارية لمثل تلك المؤهلات العلمية، التي كلّفت ميزانية الدولة والأُسر السعودية مبالغ طائلة.

تؤكد العوامل المشار إليها أعلاه، وعديد من العوامل الاقتصادية التي تمت الإشارة إليها في مقالاتٍ سابقة ترتبط بحجم وعدد ونوع المشروعات اللازم تأسيسها على طريق تنويع القاعدة الإنتاجية، وضرورة الاستفادة القصوى من مخزون الاحتياطيات النقدية السائلة في الخارج وتوظيفها في هذا الاتجاه بمشاركة القطاع الخاص، والتقنية المتقدمة المتوافرة لدى الاستثمار الأجنبي، وزيادة دعم المنشآت المتوسطة والصغيرة بصورة أكبر بكثيرٍ مما هو قائم الآن. أقول تؤكد تلك العوامل أن تأخر أي منها سيضعف دون أدنى شك من تحقق النتائج المأمولة، وهي نتائج لا مجال على الإطلاق للتنازل عنها، أو القبول بتأخرها، قياساً على خطورة الوضع الذي وصلت إليه معدلات البطالة بين صفوف المواطنين والمواطنات.

ولتعلم جيداً حجم هذا التحدي الجسيم، تشير تقديرات نمو مخرجات التعليم (تعليم عال، تعليم تقني وتدريب مهني، وثانوي)، إلى أن إجمالي الخريجين والخريجات من المواطنين سيصل خلال العشر سنوات القادمة إلى أكثر من 3.3 مليون خريج وخريجة، وبإضافة الرصيد المتأخر الذي لم تتوافر له حتى العام الجاري فرصة عمل، فإن العدد الإجمالي للباحثين عن عمل سيتجاوز 4.34 مليون طالب وطالبة عمل. وحسبما أشار صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير عن الاقتصاد السعودي ”مشاورات المادة الرابعة 2013” إلى انخفاض مرونة توظيف العمالة السعودية (يتم تقدير مرونة توظيف العمالة السعودية، باستخدام انحدار خطي بين لوغاريتم معدل توظيف العمالة السعودية في القطاع الخاص ولوغاريتم إجمالي الناتج المحلي غير النفطي الحقيقي) خلال العقد الماضي إلى 0.6 مقارنةً بمستواه 1.1 للفترة 1990 ــــ 2012، وأنه مع استمرار ارتفاع معدلات المشاركة في القوة العاملة، وشرط ألا يقل معدل النمو الحقيقي للقطاع الخاص عن 6.0 في المائة (بلغ العام الماضي 4.9 في المائة)، وعدم زيادة فرص العمل في القطاع الحكومي، فإن مؤدى كل ذلك هو ارتفاع أعداد العاطلين من المواطنين خلال العقد القادم إلى 1.4 مليون عاطل!

الآن أطرح ”ثمانية” أسئلة ملحة على وزير العمل، على أن الأسئلة الباحثة عن إجابات أكثر، لعل المجال يتسع لاحقاً لطرحها:

1- ما الخطط البديلة لدى وزارة العمل للتعامل مع تلك التحديات الجسيمة، في حال لم تتحقق المعدلات اللازمة للعوامل المذكورة أعلاه؟

2- لماذا تبنت وزارة العمل تعريف البطالة الذي وضعته مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، على الرغم من التحفظات المهمة التي ذكرتها ”استراتيجية التوظيف السعودية” الصادرة من وزارة العمل على طريقة المصلحة في احتساب البطالة (ص 29)؟ إذ وفق ”الاستراتيجية” يبلغ معدل البطالة 41.8 في المائة بنهاية 2012، في حين وفق طريقة مصلحة الإحصاءات لا يتجاوز 12.0 في المائة للعام نفسه.

3- ماذا قامت به وزارة العمل بالتعاون مع وزارات المالية والاقتصاد والتخطيط والتجارة والصناعة على مستوى تنويع القاعدة الإنتاجية؟ الذي يشير النجاح في هذا الشأن إلى أنه واحد من أهم العوامل اللازمة لزيادة المشروعات الإنتاجية، وبدورها ستسهم في خلق مزيد من فرص العمل الملائمة.

4- لماذا لا تقوم وزارة العمل بإيضاح ما تم تنفيذه وإتمامه في تقاريرها السنوية من بنود ”استراتيجية التوظيف السعودية”؟

5- لماذا لم تعد وزارة العمل تقوم بنشر البيانات الإحصائية الكاملة عن التوظيف في القطاع الخاص، لعل من أهمها توزيع العمالة (سعودية، غير سعودية) حسب التأهيل العلمي للعمالة (لم تنشر لعامين على التوالي 2011 و2012)؟

6- متى سيتم تدشين ”مرصد سوق العمل” الذي أُعلن عنه في وقت سابق؟

7- إذا كانت وزارة العمل تحارب وتجرم الوظائف الوهمية، فلماذا تعترف بها في أرقام التوظيف؟ وهل بالإمكان نشر إحصاءاتها في التقارير الدورية للوزارة؟

8- لماذا لم يعد صندوق الموارد البشرية يقوم بنشر إحصاءات المستفيدين من نظام حافز؟

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/12/11/article_806745.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.