رفْع الإيرادات غير النفطية أمْ خفض المصروفات؟

أيّهما يعد الأهم بالنسبة لنا اقتصادياً ومالياً؛ رفْع مستوى الإيرادات الأخرى غير النفطيّة، وخفْض الاعتماد على الإيرادات النفطية أمْ خفْض المصروفات (تحديداً الجارية منها)؟ أطرح هذا السؤال، لا لنقف عند مجرّد الإجابة عنه، والبحث في حيثيات إجابة كل فريقٍ سيذهب إليه أحد الجانبين، إمّا رفْع مستوى الإيرادات غير النفطيّة، أو خفْض المصروفات. إنّ الأهم في مواجهة هذا السؤال المحوري، هو ضرورة الغوص في ما وراء الإجابة، والتعمّق جيّداً في أعماق الاقتصاد الوطني، لعل من أهم النتائج التي أريد الوصول إليها هنا، هو: لماذا أسمح بوصولي إلى هذه المرحلة المعقدة جداً في خياراتها؟ ألمْ يكن من الأجدر أنْ أتجنّبها مبكراً، خاصةً أنّ الإمكانات والموارد اللازمة لفعل ذلك متوافرة لدي؟ إنّه سؤال يثير القلق والاختلاف حال بحث المرء عن إجابةٍ له، فما بالك إنْ أصبح تحدياً حقيقياً ماثلاً أمامك.

أحياناً كثيرة، يتسببُّ لك انكشاف بعض الحقائق الرقمية أمامك في إحداث صدمة مربكة، ولكيلا تفقد التركيز حال وقوعها، ينبغي لك المبادرة بدراسة احتمالات وقوعها مسبقاً، والبدء بتحديد اختياراتك المتاحة ضمن أجواء معيّنة، يسيطر عليها الهدوء والعقلانية، لا أنْ تتركها حتى تفاجئك بغتةً، وتقع من ثم تحت ضغوطٍ عصيبة، قد تدفع بك لاتخاذ قراراتٍ ارتجالية، يغلب عليها عدم التركيز والعصبية والتسرّع، هذا في أحسن الأحوال! إذْ قد تجد نفسك في موقعٍ صعبٍ جداً، لن يسمح بتوافر أية خيارات تسمح لك باتخاذ أي قرارٍ واحد منك.

المفيد جدّاً، أنّ قيامك بدراسة الاحتمالات المستقبلية للحالة التي أنت عليها الآن، يتيح لك خياراتٍ أوسع نطاقاً، بما قد يؤهلك – إنْ عملت بجدية وتركيز- لتجنّبها تماماً، وتغيير مستقبلك بالكامل، والاتجاه به نحو آفاقٍ مستقبلية أفضل بكثير، لم تكن لتصل إليها على الإطلاق، حتى إنْ لم تحدث تلك الاحتمالات التي تخشاها اليوم، بل حتى لم تكن لتصل إليها أبداً مع الامتيازات الهائلة التي تتمتّع بها في الوقت الراهن!

دعْنا نخوض هذه التجربة المثيرة، في سياق إجابة السؤال الذي استهلّلتُ به هذا المقال. تبيّن الإيرادات الأخرى غير النفطيّة الفعلية لآخر عامٍ مالي 2012 البالغة نحو 102.6 مليار ريال، أنّها في مواجهة كامل فاتورة المصروفات الفعلية للعام المالي نفسه البالغ نحو 873.3 مليار ريال، لا تُشكّل أكثر من 11.7 في المائة! وأنّ عجزاً مالياً هائلاً سينتج بين البندين سيبلغ أكثر من 770.7 مليار ريال (يُشكّل نحو 29.1 في المائة إجمالي الناتج المحلي بنهاية 2012). وعلى افتراض أننا أخذنا بوجهة نظر ”خفْض جانب المصروفات”، فقمنا بشطب كامل المصروفات الرأسمالية البالغة للعام نفسه نحو 261.7 مليار ريال، بمعنى عدم الإنفاق على أية مشروعات جديدة، فإنّ العجز المالي سيظل مرتفعاً (سيبلغ نحو 509.0 مليار ريال، مشكلاً نحو 19.2 في المائة إجمالي الناتج المحلي، ولا تغطّي تلك الإيرادات غير النفطيّة أكثر من 16.8 في المائة إجمالي المصروفات الجارية).

قبل أنْ أسترسل في المقال، أذكّر أن الحديث هنا حول مجرد احتمالات، الهدف منه اختبار مقدرتنا المالية والاقتصادية على مواجهة أسوأ الاحتمالات، ومحاولة الخروج منها بخلاصات ذهنيّة رشيدة، يؤمل أن يتم توظيفها على النحو المصحح والمعالج لأي اختلالات أو تشوّهاتٍ قائمة في الوقت الراهن.

كما يبدو مما تقدّم، أنّ خفْض بند المصروفات – وإنْ نجحنا فيه جزئياً – لن يكون كافياً على الإطلاق، على أنّه لا يمكن تجاهل الآثار السلبية لمثل هذا الإجراء، التي قد يصل بعضها إلى درجةٍ من الخطورة لا يمكن تصوّر آثارها المدمرة، كشطب المصروفات الرأسمالية اللازمة لاستكمال البنى التحتيّة أو تطويرها، أو محاولة التصرّف جزئياً بالخفْض في بند المصروفات الجارية، التي يتشكّل أغلبها من الأجور ومصروفات الصيانة. قد يكون المتاح أمامنا في هذا الجانب، هو الترشيد في الإنفاق قدر المستطاع، وزيادة الرقابة على كل ريالٍ يتم إنفاقه، ولكن يظلّ غير كافٍ كما توضحه الأرقام الفعلية للميزانية المبيّنة أعلاه.

نأتي للخيار الأوّل: رفْع مستوى الإيرادات الأخرى غير النفطيّة، الذي يبدو أنّه المجال الأوسع خياراتٍ، وأقلّها تكلفة، وأهونها على مستوى الآثار. السؤال الآن: كيف لنا فعْل ذلك؟ هل عبر رفْع الرسوم الحكومية؟ وفرْض ضرائب الدخل؟ وغيرها من الاقتراحات ”المرّة المذاق” التي دائماً ما يضمّنها صندوق النقد الدولي في توصياته المرسلة إلينا! أمْ أنّ هناك مساراتٍ أخرى بديلة يمكن المضي فيها قُدماً؟

سينتج دون شك عن خيارات ”صندوق النقد الدولي” كرفع الرسوم الحكومية، وفرْض ضرائب الدخل، وغيرها من المقترحات في الاتجاه ذاته، ارتفاع في مستوى الإيرادات غير النفطيّة. لكن، هل ستكون كافية؟ هل ستمر دون حدوث آثار سلبية على المواطن والمقيم؟ أعتقد أن الإجابة وفقاً للأرقام الفعلية المبيّنة أعلاه، قادرة تماماً على إيضاح النتائج بصورةٍ مقنعة! فحتى لو تمت مضاعفة تلك الرسوم، وفُرضتْ ضرائب الدخل، بصورةٍ تزيد من مستوى الإيرادات الأخرى غير النفطيّة، فلن تلبّي الهدف المأمول! دعْ عنك الآثار السلبية بالغة التدمير في الكثير من جوانبها على حساب دخل المواطن أو المقيم. إضافةً إلى أنّ نتائجه الإيجابية المزعومة لن تتجاوز في عمرها الأجل القصير، إذْ سرعان ما ستغطى عليها الآثار السلبية في الأجلين المتوسط والطويل. وكي تتجاوز هذا ”المطبّ” المعقّد، فلا بد من بعض الإجراءات الواجب اتخاذها مسبقاً، التي يمكن في ضوئها التفكير جدياً بتطبيق مثل هذا الخيار؛ لعل من أبرز تلك الإجراءات: الخفْض التدريجي لمزايا الدعم الحكومي على الطاقة، والسلع الاستهلاكية والزراعية، يقابله الرفع التدريجي للرواتب والأجور في القطاعين الحكومي والخاص، وتفعيل بطاقات التموين اللازمة للشرائح الاجتماعية المستحقة، وسيأتي الحديث مفصّلاً حوله في المقال ما بعد القادم – بإذن الله.

تبقى المسارات الأخرى البديلة، التي يؤمل من خلالها رفْع مستوى الإيرادات الأخرى غير النفطيّة. إنّها باختصارٍ شديدٍ هنا ”سأتوسّع فيه بالتفصيل في مقال الأربعاء بمشيئة الله”، العمل الجاد والممنهج على تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، التي ستسهم في:

(1) زيادة الدخل والعوائد الاقتصادية. (2) زيادة المردود على الميزانية العامّة في جانب إيراداتها الأخرى النفطية ”الزكاة، الضرائب”. (3) زيادة فرص التوظيف والدخل أمام المواطنين. (4) التوظيف الأمثل للاحتياطات والثروات الوطنية داخل الاقتصاد الوطني. (5) ترسيخ الاستقرار الاقتصادي، وتنويع مصادر نموّه. أكمل حديثه بالتفصيل في المقال القادم، فإلى الملتقى.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/12/02/article_804346.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.