الديربي الحكومي .. الراتب والإنتاجية

ديربي حكومي مستمر، رغم إثارته الاهتمام، إلا أنّه أصبح معلوم النتيجة حتى قبل أن يبدأ، دائماً الانتصار يكون لمصلحة الإنتاجية ولكادرها الفنّي العتيق.

هذه المرّة جاءت تسديدة ”الإنتاجية” في مرمى ”الراتب” من مجلس الشورى، تأييداً للنظرية المملوكة حقوقها الفكرية لوزارة الاقتصاد والتخطيط، كونها أوّل من أرجع ”تدنّي” مستوى الرواتب في القطاع الحكومي إلى ”تدنّي” مستوى إنتاجية الموظف الحكومي. نظريةً حملتْ اعترافاً رسمياً بتدنّي الرواتب لكنّه غيّب لاحقاً، فيما صعد مقابله جانب تدنّي الإنتاجية، وأصبحتْ سدّاً ذريعاً أمام أية سيول لضرورة إعادة النظر في مستوى الراتب المتآكل.

لا بد من إيضاح الصورة كاملة، ولا بد على أثرها أن تتوقف الأجهزة المعنية عندها لاتخاذ إجراءاتٍ مسؤولة، تستهدفُ إيجاد حلولٍ جذرية لها، أمّا أنْ تبقى القضية عائمةً هكذا كديربي ممل معلوم النتيجة، فلا يمكن لأحدٍ من مؤيدي الفريقين رؤية ما يجري على أنّه أمرٌ يخدم الاقتصاد الوطني والمجتمع. يقتضي بيان الصورة كاملة، للوصول إلى قراراتٍ رشيدة تأخذ في عين الاعتبار تحقيق المصلحة العامّة، والاستقرار لكل من الاقتصاد الوطني والحياة المعيشية للمواطن على حدٍّ سواء. وعليه؛ أستعرض الآن أركان تلك الصورة من جوانبها كافّة.

1. تبيّن البيانات الرسمية لوزارة المالية، أنّ نسبة استقطاع بند الرواتب من الميزانية العامّة تقف في الوقت الراهن عند دون نسبة 35 في المائة، وأنّ ما يتم تداوله من بلوغها نسبة 50 في المائة فأكثر غير صحيح أبداً.

2. تبيّن البيانات الرسمية لوزارة الاقتصاد والتخطيط، أن نسبة انخفاض القيمة الحقيقية للدخل مقارنة بالقيمة الاسمية وصلتْ حتى نهاية 2012 إلى -54.8 في المائة ”تآكل القوة الشرائية للفرد”، بمعنى أنّ من راتبه بالقيمة الاسمية نحو عشرة آلاف ريال، فهو في الحقيقة حينما يصرفه على معيشته وفقاً لأسعار الوقت الراهن، لا تتجاوز قيمته الحقيقية أكثر من 4520 ريالاً.

3. وفقاً للفقرة السابقة، ووفقاً لبيانات وزارة العمل، تُعد حتى رواتب موظفي القطاع الخاص من المواطنين أيضاً متدنية! فكما يشير التقرير السنوي لوزارة العمل، بلغ متوسط أجور العمالة المواطنة في القطاع الخاص حتى نهاية 2012 نحو 4801 ريال شهرياً، بمعنى أنّه بالقيمة الحقيقية لا يتجاوز 2170 ريالاً شهرياً.

4. حينما تعيد الأصوات المعارضة لضرورة رفْع الرواتب إلى مبرر انخفاض الإنتاجية، هل لها أن تجيب عن الأسئلة التالية:

أ ـــ كيف تُقاس إنتاجية القطاع الحكومي في الوقت الراهن؟ فهي لا تقوم في الوقت الراهن إلا مراقبة أوقات الحضور والانصراف.

ب ـــ هل يوجد في نظام الخدمة المدنية معايير تميّز بين أداء الموظفين وإنتاجيتهم؟ إنّ من يرجع إلى سلالم الرواتب تحت مظلة ذلك النظام، لن يجد أكثر من معياري المؤهل والأقدمية، وعدا ذلك فهو خاضع لظروف كل جهازٍ من الأجهزة الحكومية.

ج ـــ دائماً ما يُنظر إلى القطاع الخاص على أنّه أعلى إنتاجية من القطاع الحكومي! حسناً من يُفسّر لنا انخفاض مستوى رواتب العمالة المواطنة فيه، على الرغم من ارتفاع إنتاجيته؟ وكيف لنا فهْم اقتراح مجلس الشورى لموظفي الحكومة بترك وظائفهم ذات الرواتب المتدنية والتحول إلى وظائف القطاع الخاص ذي الرواتب الأكثر تدنّيا؟

5. أيضاً على مستوى الإنتاجية؛ كيف لوزارة الاقتصاد والتخطيط أنّ تفسّر لنا تصريحها المتناقض تماماً مع تفسيرها لأسباب النمو الاقتصادي المرتفع خلال السنوات الأخيرة، الذي دائماً ما ترجعه إلى ارتفاع إنتاجية عوامل الإنتاج في الاقتصاد المحلي! في الوقت ذاته التي تصرّح بانخفاض إنتاجية الموظف الحكومي؟ أليست ”العمالة الوطنية” من ضمن تلك العوامل؟! وهل فعلاً تلك العوامل فعلاً وراء هذا النّمو؟ نعلم جميعاً أنّ المصدر الرئيس للنمو الاقتصادي المتحقق خلال الفترة الأخيرة عائدٌ بصورةٍ كبيرة إلى ارتفاع أسعار النفط، وأنّها السبب الأكبر ــــ إن لم يكن الوحيد ــــ وراء ارتفاع الإنفاق الحكومي، وتحديداً على مشروعات البنى التحتية، وانعكاسه إيجابياً على القطاع الخاص، فليس سرّاً نفشيه هنا أنّ ”النفط” هو العامل المحوري وراء تسارع النمو الاقتصادي أو تباطؤه!

6. إذا كانتْ بعض الأجهزة الحكومية تعاني تضخّم أعداد العاملين فيها، وهو أمرٌ صحيح، فإنّه يوجد أيضاً أجهزة في قطاعاتٍ حيوية تعاني نقصا لافتا في أعداد العاملين فيها! لعل قطاعي التعليم والصحة من أبرزها وأهمّها! لماذا لم يتم اتخاذ أي إجراءات سريعة لحل تلك المعضلة؟ ولماذا تأخّر تنفيذ القرارات السامية بسرعة توظيف عشرات الآلاف من المواطنين والمواطنات المؤهلين لشغل الوظائف المتاحة في هذين القطاعين بالذات؟

7. ألا يتفق المعارضون لضرورة رفْع الرواتب، مع أهمية أن يُعاد النظر في نظام الخدمة المدنية الراهن، وأنّه بوضعه الراهن لا يشجع أبداً الموظف الحكومي على رفع وتحسين أدائه الوظيفي، فالجميع تحت مظلته سواسية، لا يميز بين موظف وموظفٍ آخر إلا بالمؤهل والأقدمية؟ ما أصاب الموظف المنتج بالإحباط، وما فتح المجال أمام أصحاب الشهادات الوهمية لاحتلال مناصب وظيفية ليسوا بأهلٍ لها. أليستْ المشكلة الحقيقية في النظام قبل أنْ تكون كامنةً في الموظف تحديداً؟

أؤكد أن الأسئلة أكثر مما ذكر أعلاه، وأنّ قضية الرواتب في حاجةٍ إلى نظرةٍ أعمق وأوسع من مجرد حشرها في ”ديربي الراتب والإنتاجية” فقط، دون النظر إلى اعتباراتٍ أخرى أكبر أهمية، ترتبط بالهيكل الاقتصادي كاملاً، وبالأنظمة واللوائح المنظمة لسوق العمل، سواءً في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص. لكن في الوقت الراهن؛ ننتظر جميعاً من يجيب عن الأسئلة المطروحة أعلاه.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/11/23/article_801828.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.