تحديات سوق العمل حتى 2023 (1 من 2)

لا شك أنّ التحديات التي سيواجهها الاقتصاد السعودي خلال العقد المقبل كبيرة، جزءٌ منها يحمله الآن، يحاول جاهداً إيجاد كل السبل لتجاوزه، وجزءٌ لا يقل وزناً أو هو أكبر آتٍ في طريق المستقبل. تحدياتٌ تتوزّع أثقالها على جميع الحقول الإنمائية المحلية دون استثناء: سوق العمل، الإسكان، تنويع القاعدة الإنتاجية، تحسين كفاءة الاقتصاد والإنتاج، رفع مستوى الدخل، تحسين بيئة الأعمال والاستثمار المحلية، مكافحة أشكال الفساد، تطوير وتحسين البنى التحتية للبلاد، وتطوير مختلف القطاعات الحيوية ومن أهمّها قطاعات الصحة والتعليم، والمجالات المرتبطة بالطفل والمرأة وكبار السن (المتقاعدين)، هذا عدا الجهود الواجب بذلها على مستوى الأمن المائي والغذائي، والتي تعد في مقدّمة أولويات دول العالم اليوم! إضافةً إلى التحديات المرتبطة باستهلاك المصادر المتوافرة من الطاقة بكافّة أشكالها، والضرورة القصوى لترشيدها، ومحاولة إيجاد أقل الخيارات مخاطرة وتكلفة في خصوص كلٍ من الإنفاق على تطويرها، وإعادة بحث الميزات الممنوحة لها من حيث التسعير.

إنّها تحدياتٌ يطول سردها، بما لا يمكن أن يتسع له المجال هنا، وما ذُكر أعلاه ليس إلا على سبيل المثال لا الحصر، ويكفي القول هنا أن فاتورة كل ما نشهده من حولنا في الوقت الراهن طوال 43 عاماً مضتْ، فاقتْ فاتورته تريليونات الريالات! دفعتْ منها الحكومة خلال تلك الفترة أكثر من 11.7 تريليون ريال! هذا عدا ما دفعه القطاع الخاص والمواطنون. ورغم كل ذلك فلا يزال الاقتصاد السعودي كما تُبيّن المؤشرات الاقتصادية والتنموية يعاني قصورا بدرجات مختلفة؛ يمكن رؤيتها في مختلف الحقول التي ذُكرتْ أعلاه، بعضها تخطّى خط التحدّي إلى منطقة الأزمة، التي اقتضتْ وتقتضي حلولاً استثنائية في الوقت الراهن، كما تقتضي دون شك استمراراً في بذل الجهود أكثر من غيرها من الحقول، وبعض تلك الحقول الآخر دون خط التحدّي.

لعل من أهم تلك الحقول المطلوب تسخير جميع الإمكانات المتوافرة لأجلها ما يرتبط بسوقي الإسكان والعمل، اللتين تشكلان في الوقت الراهن المصدرين الباعثين على القلق الشديد. سأخصُّ هذا المقال والمقال القادم بتحديات سوق العمل، ذلك أنّ حلّها سيسهم بصورة مباشرة في حل جزء مهم من تحديات الإسكان، شرْط أنْ تتظافر بقية الجهود اللازمة لحلِّ كافّة التحديات الأخرى بما فيها الإسكان! فلا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أنْ تتحقق أي منجزاتٍ منفردة لأي حقلٍ مما ذُكر أعلاه، إذا أُهمل أي منها! إنّها كتلةٌ واحدة مكوّنه من تلك الحقول المختلفة، يجب أن تتقدّم جميعها على طريق الحل دون استثناء أو تأخير.

فكما أنّ تعثّر أحد الحقول تلك سيؤثر مباشـرة بالسلب في البقية، فإنّ انفراجه وتطوره سيسهم أيضاً في تحسّن أداء بقية الحقول، مثال ذلك موضوعنا هنا؛ فلا يمكن أن تنجح أي جهود تنصب على خلْق فرص عمل في السـوق، دون أنْ يسبقها إيجاد مشـروعات! ولا يمكن أنْ تنجح جهود إيجاد تلك المشـروعات دون أن تُضخ فيها الأموال والمدخـرات! ولا يمكن أنْ تتوافر لديك تلك الأمـوال والمدخـرات في غياب مسـتوى دخل مادي متين للمؤسـسات والأفـراد، وكل ما تقدّم مرهـونٌ أيضاً بوجود: (1) حقل تعليم وتأهيل وتدريب عالي الكفاءة. (2) سياسات وبرامج اقتصادية يجب أن تكون على قدر كل تلك التحديات! أرأيت كم حقلاً عليك أن تنجح فيه لأجل توفير فرصة عمل كريمة للمواطن؟!

هل سبق ونظرنا نظرة خاطفة لما جرى على أرض سوق العمل طوال عشرة أعوامٍ مضتْ؟ لنستعرضها على عجلٍ هنا، دفع حقل التعليم بمفاصله كافة خلال العقد الماضي حتى نهاية 2012م بنحو مليوني خريج وخريجة (تعليم عال، تعليم تقني وتدريب مهني، وثانوي لم يكمل تعليمه)، وخلال الفترة ذاتها بلغ صافي الزيادة في سوق العمل المحلية (قطاع حكومي، قطاع خاص) 967.5 ألف عامل وعاملة (636.2 ألف عامل سعودي، 331.2 ألف عاملة سعودية)، توزّعتْ على القطاع الحكومي بنحو 318.6 ألف عامل وعاملة (32.9 في المائة من الإجمالي)، وعلى القطاع الخاص بنحو 648.9 ألف عامل وعاملة (67.1 في المائة من الإجمالي). وفقاً لذلك، يتبين لنا أن أكثر من مليون خريج وخريجة لا يزالون دون عمل، وأنْ من حصل على فرصٍ للعمل لا تتجاوز نسبتهم 48.7 في المائة من إجمالي خريجي الأعوام العشرة الماضية، لاحظ هنا أنّ ما دون الشهادة الثانوية لم يُحتسب. في المقابل، زاد عدد العمالة الوافدة خلال الفترة نفسها بنحو 3.2 مليون عامل وعاملة، تركّزتْ الزيادة بنحو 99.8 في المائة من إجمالي الزيادة في القطاع الخاص! إنّها نظرة سريعة تعتمد على إحصاءات رسمية.

وبالنظرة السريعة نفسها، ماذا ينتظرنا خلال السنوات العشر المقبلة؟! وفقاً للتقديرات المبنية على معدلات نمو المتغيرات أعلاه، يُقدّر أن يصل إجمالي الخريجين والخريجات سعوديي الجنسية (تعليم عالي، تعليم تقني وتدريب مهني، وثانوي لم يكمل تعليمه) خلال الفترة 2014-2023م إلى أكثر من 3.3 مليون خريج وخريجة، وبإضافة الرصيد المتأخّر الذي لم تتوافر له حتى العام الجاري فرصة عمل، سيصبح العدد الإجمالي أكبر من 4.34 مليون طالب وطالبة عمل، أيّ أكبر من ضعف عدد خريجي وخريجات العقد الماضي!

وفقاً لما تبيّن من توظيف خلال العقد المنصرم، ظهر أن نصف طالبي العمل من المواطنين تقريباً، تم إيجاد وظائف لهم، والنصف الآخر لا يزال على رصيف الانتظار! لكن رتْم الحياة لا يتوقّف، فرصيف الانتظار يتدفّق عليه سنوياً وفقاً لأرقام اليوم أكثر من ربع مليون طالب وطالبة عمل! فكم ستكون سوق العمل المحلية بحاجة إليه لأجل توفير فرص عمل كريمة تمتصُّ هذه الأعداد؟ الحاجة ذات الصلة بـ : (1) حجم الاستثمارات والأموال اللازم ضخّها في الاقتصاد الوطني لتوسعة وتأسيس مشروعات حقيقية. (2) نوعية السياسات الاقتصادية الواجب انتهاجها، سواءً على مستوى سوق العمل مباشرة، أو على مستوى إدارة الاحتياطات خارج الحدود، أو على مستوى سياسات الاستثمار والتجارة المحلية. (3) مخاطر تذبذب الأسعار العالمية للنفط، وتأثيرها الكبير في قدرة الإنفاق الحكومي، الذي يمثل القلب النابض في وقتنا الراهن للاقتصاد الوطني بصورة عامّة، والقطاع الخاص على وجه الخصوص. (4) هيكلة فرص العمل المتوافرة في القطاع الخاص من حيث المستوى التعليمي، التي تشغل فيها العمالة المقيمة من كل عشر وظائف نحو تسع وظائف بشهادة ابتدائية فما دون، وهل سيكون إحلالها بسعوديين مؤهلاتهم كما أظهرتْ الأرقام أعلاه ثانوي فأكثر، أمراً ذا جدوى؟! وللحديث بقية أهم وأعظم.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/11/18/article_800573.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.