ما يحتاج الأمر .. اتركوا النّاس تتنفس

درَج الحديث لدينا في أغلب لقاءاتنا واجتماعاتنا أمام أية ظواهر أو مشاكل، وحتى في كتابات وتعليقات الكثير من الكتّاب والمهتمين بالشأن العام، أن تجتمع الآراء حول ضرورة إصدار نظام أو تشريع لأجل كذا، وتأسيس جهاز أو هيئة كذا لأجل كذا .. إنّها رحمة من الله أنّ يذهب أغلبها أدراج الرياح! وإلا كنت رأيت ”نظاماً” لكل مائة مواطن، أو جهازاً حكومياً لكل 1000 مواطن!

كتب الدكتور غازي القصيبي في كتابه الجوهرة الثمينة ”حياةٌ في الإدارة” قائلاً (إنّه لا الأمير فهد ”رحمه الله حينما كان ولياً للعهد”، ولا مجلس الوزراء، كان حريصاً على إصدار تشريع جديد كل يوم. كان ولي العهد يكرّر دائماً ”اتركوا النّاس تتنفس” و”لا تكتموا أنفاس النّاس” و”دعوا النّاس تتحرّك”. كان أثقل شيء على نفس ولي العهد، وعلى نفوس الوزراء إصدار نظام جديد يحتوي على قيود جديدة أو عقوبات جديدة. قال لي أحد المواطنين ذات يوم: ”كل مرّة تصدرون فيها نظاماً جديداً، تنشأُ رشوةً جديدة!”، من حسن حظ المواطنين أنّ مجلس الوزراء كان متعاطفاً، على نحو أو آخر، مع المشاعر التي عبّر عنها هذا المواطن). ص 199 ــ 200 ”كتاب حياةٌ في الإدارة”.

بحكم مراقبتي اللصيقة للشأن الاقتصادي والمالي المحلي كاهتمامٍ قبل أن يكون عملاً طوال 18 عاماً مضتْ؛ كانتْ تنشأ العديد من المشاكل والتحديات، وكانتْ ردود الفعل الرسمية تختلف تجاهها من حالةٍ إلى حالةٍ أخرى، بعضها أُصدر لأجله أنظمة وتأسس له أيضاً جهازاً لتنفيذه، وبعضها اكتفي بإصدار نظام وكُلّف بتطبيقه أحد الأجهزة القائمة ذات العلاقة، وبعضها أُجري لأجله تعديلات على الأنظمة ذات العلاقة به، وبعضها ما زال عالقاً حتى الساعة. الشاهد في هذه القضايا؛ أنّ البيئة التنظيمية لدينا رغم العديد من بعض أوجه القصور، خاصةً تجاه المستجدات الحديثة، أعتبرها أفضل من حيث ”كفاية” أعدادها، فيما يبقى جانب ”كفاءة” تطبيقها هو محل النقاش والجدل، وهنا مربط الفرس الذي يجب الوقوف عنده بحزمٍ وجدية ”الكفاءة”! التي نشأ انخفاضها في الأغلب من نافذتين، هما:

النافذة الأولى: أنْ يعتريه القدم زمنياً، في الوقت الذي تجد الواقع قد تجاوزه بعدة عقود، لتنشأ من ثم الإشكالات العديدة، ويتفاقم عددها وحجمها كلّما طال به الزمن دون أية تحديثاتٍ تأخذ بعين الاعتبار تلك المستجدات على أرض الواقع. وخير مثالٍ على هذه النافذة؛ هو نظام التقاعد الموشك على إكمال عقده السادس! دون أية لمسة تحديث من قريبٍ أو بعيد لنصوص مواده، ولهذا سنظل نراوح كثيراً حول نقاط الجدل ممثلةً بالتحديات والمصاعب الجمّة التي يواجهها المتقاعدون والمتقاعدات، طالما كنّا بعيدين عن التفكير بضرورة تحديث النظام، والانشغال غير المجدي في مناقشة أية حلول لا ولن يقبلها ذلك النظام.

النافذة الثانية: أنْ يعتري ”آلية تنفيذ” النظام قصوراً من الجهة المعنية بتطبيقه، فقد تجد النظام حديث الإصدار، لكن ينشأ القصور لاحقاً من قبِل الجهة المعنية به؛ إمّا تأخّراً منها، أو تنفيذاً لبعض بنوده وتجاهلها لبعضها الآخر، أو السماح لبعض الاستثناءات من بعض مواده، أو التشدد المفرط في تطبيق بعض مواده، والتساهل المثبط في تطبيق مواده الأخرى، ما ينتج عنه بكل تأكيد تشكّل العديد من التحديات والمشاكل أو حتى الأزمات! وفي ظل تراخي أو بطء إجراءات المتابعة والرقابة؛ لا بد أن تتفاقم عبر الزمن الكثير من الأزمات غير المبررة. وما قد يزيد من تعقيد المسائل في وقتٍ لاحق؛ أن تعلو الأصوات بضرورة استصدار نظامٍ أو أنظمة لأجل التعامل مع تلك الأزمات، بل قد ترتفع الأصوات إلى اقتراح تأسيس أجهزةٍ رسمية لتتولى تطبيق تلك الأنظمة، وهذا ليس حلاً على الإطلاق بقدرِ ما إنّه قفز على صلب المشكلة وعدم مواجهتها كما يجب، وما يؤذن لاحقاً بمزيدٍ من تفاقم الإجراءات البيروقراطية المعرقلة أكثر من كونها حلاً حقيقياً، ما سيسهم بدوره ليس فقط في تفاقم الأزمات، بل التسبب في نشوء أزماتٍ أخرى كنّا في غنى تامٍ عنها.

لعل من الأمثلة القائمة على هذه النافذة؛ ما نشأ عن قصور تنفيذ التعامل مع تشوهات سوق العمل المحلية، والبيئة المحلية للاستثمار والتجارة، وكيف أنّها أدّتْ إلى: (1) تفاقم أشكال ”الاقتصاد الخفي” من أبرز صوره التستر التجاري على العمالة الوافدة. (2) تفاقم المساهمات التجارية عبر تجميع الأموال خارج القنوات الرسمية على ”الأراضي، العديد من السلع والمواد الاستهلاكية، بطاقات سوا… إلخ”. (3) احتكار الأراضي، نتيجة ضيق قنوات الاستثمار المحلية، وصعوبة القيود المفروضة عليها، بدءاً من المشاريع الناشئة الصغرى والمتوسطة، انتهاء بالكبرى منها، مع دفع بأصول العقار إلى السطح كأفضل مخزنٍ للثروة. (4) زيادة استقطاب الثروات والأموال المتوافرة نحو المضاربات المحمومة على حساب الاستثمار، وعدم خلق فرص العمل الكريمة والملائمة، والآثار السلبية لكل تلك الظواهر على النمو والاستقرار الاقتصاديين.

يا تُرى هل المجدي أمام تلك الظواهر ”الناتجة” عن قصور التنفيذ والتطبيق، هو استصدار أنظمة لكل واحدة منها؟ أمْ العودة إلى جذر وأصل الخلل، بالتأكيد على تفعيل الأنظمة الموجودة، ورفع ”كفاءة” الالتزام بها وتطبيقها بحزمٍ وشمولية كما كان مستهدفاً منها حينما تم إقرارها من الدولة؟ كل إجابةٍ ستذهب بك إلى بيئة تختلف إحداها عن الأخرى، كاختلاف السماء عن الأرض! فلك الاختيار.

أخيراً؛ أؤكد كل التأكيد على ما سبق كتابته في مقالٍ سابق؛ أن الكثير من مشاكلنا الاقتصادية والمالية ليس في حاجةٍ إلى سنِّ قوانين وأنظمة جديدة، بقدر ما أنه في أمسِّ الحاجة إلى رفع كفاءة التطبيق والتنفيذ والرقابة والمتابعة، ولا أكثر من ذلك. وهذا ما يجب أن يتم في إطار مواجهة مثل هذه النشاطات بالغة الضرر، أنْ نتوجّه بالعلاج الفاعل إلى أساس منشأها، لا أنْ نهدر الوقت والمال على محاربة مظاهرها! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/11/16/article_800102.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.