إعادة هيكلة السوق المالية (2 من 2)

استكمالاً لمناقشة مقترحات مجلس الشورى في جلسته العادية الرابعة والخمسين، التي قدّمها إلى هيئة السوق المالية، حيث تمّت مناقشة جميع تلك المقترحات باستثناء مقترح ”الدعوة لإنشاء سوق ثانوية للأسهم”، الذي نظراً لأهميته فضّلتُ تخصيص الجزء الثاني بالكامل له.

كنت قد أشرت إلى بعض اللبس لدى بعض أعضاء مجلس الشورى حول مفهومي ”السوق الثانوية للأسهم” و”السوق الموازية”، وأنّه قد أدّى إلى إرباك الرأي العام والمهتمين بالسوق المالية، موضحاً أن السوق المالية القائمة الآن توفي تماماً بهذا المفهوم، في حين أن اقتراح تجزئة تلك السوق المالية إلى سوقين ”سوق رئيسة” و”سوق موازية”، كل سوق يُفترض أن تتسم بخصائص متباينة تحقق الغرض الرئيس من فصلهما إلى سوقين، وارتكازاً على محدداتٍ معينة يتم فرز الشركات المساهمة المدرجة في السوق بناءً عليها، حديث آخر مختلف، هو محل الحديث هنا.

كان من أبرز عيوب الإدراجات الحديثة من بعد انهيار شباط (فبراير) 2006، والتسرع الكبير في هذا الاتجاه، أنها ضمّت عدداً كبيراً من الشركات المساهمة الصغيرة الحجم، وشركات تحت التأسيس، ما ساهم في مراحل زمنية لاحقة في رفع مستويات المخاطر وعمليات التدوير المضللة، وأدّى في مراحله الأخيرة إلى تشويه المحددات الاستثمارية للسوق المالية، وهو ما يناقض بالطبع أهداف الموافقة على ضخها في السوق.

ذلك أنّها دفعت بالسوق المالية إلى مزيدٍ من المخاطر المرتفعة، وسمحت بتفشي سلوكياتٍ مخالفة وخطيرة تمثلت في عمليات تدوير مضللة بصورةٍ فاقت حتى مثيلاتها قبل انهيار السوق. لقد كشفت دراسة تطورات وتعاملات السوق المالية طوال الفترة الماضية عن عددٍ من الاختلالات البالغة الخطورة، ما يتطلب بالضرورة من هيئة السوق المالية سرعة التحرّك نحو اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجتها والحد من مخاطرها وتشوهاتها الضارة.

فوفقاً لما أسلفت ذكره أعلاه من كون أغلب تلك الإدراجات صغيرة الحجم، فإنها إضافةً إلى بعض الشركات الكبيرة الأخرى لا تزال شركات تحت التأسيس، وبعض تلك الشركات العملاقة تحت التأسيس تعمل في مجالات شديدة المنافسة ما يعني أن التحديات والمخاطر أمامها أمرٌ لا يمكن إغفاله، أو أنها مرتبطة بصورةٍ أكبر بالتطورات والمخاطر في الخارج، أو أنها تعمل في مجالاتٍ تتطلب تمويلات ضخمة جداً أكبر من رأس المال بعدة أضعاف، وتتطلب أيضاً ما لا يقل عن خمس إلى عشر سنوات حتى تصل إلى نقطة التعادل.

كل هذه المخاطر رأيناها تنعكس على حقوق المساهمين في تلك الشركات، حتى أن بعضها تآكل ولم يقف الأمر على سوئه عند حقوق المساهمين، بل لقد امتد إلى رأس المال بنسبٍ وصلت إلى ما يقارب 70 في المائة! كما رأينا تلك المخاطر تمتد إلى زياداتٍ غير مسبوقة في عمليات التدوير والمضاربة، امتدت أضرارها إلى تشويه تحركات السيولة داخل السوق المالية.

من هنا، وأمام هذا الواقع المشبع بالمخاطر في سوق الأسهم السعودية، أتتْ ضرورة إعادة هيكلة السوق، وتجزئتها إلى سوقين ”رئيسة” وأخرى ”موازية”. وأن الإجراء المتمثل بفصل تلك الشركات العالية المخاطر في سوق أخرى ”موازية”، وتقييد التعاملات فيها بعددٍ من الضوابط تمنع الشريحة الكبرى من المتعاملين ”خاصة الصغار منهم” من التداول عليها، لعل من أهمها: (1) تأخير تسوية صفقات السوق الموازية حتى ما بعد إغلاق جلسة عمل اليوم للسوق، و(2) تحديد حد أدنى لقيمة أي صفقة ”شراء” في تلك السوق، كأن يبدأ من 200 ألف ريال فأكثر. لكن الأهم في هذا السياق، هو على أي أساس أو محددات سيتم فرز الشركات المدرجة في السوق؟!

وفقاً للمرحلة المبكرة ”عمرياً” التي تعيشها السوق المحلية، يُقترح أن يتم فرز الشركات المساهمة المدرجة الآن في السوق المالية وفقاً لأدنى الشروط والضوابط، وعبر المستقبل تتم مراجعتها، وبحث جدوى رفع مستوى تلك المحددات والضوابط. لهذا يمكن الاكتفاء في المرحلة الراهنة بالمحددات التي تكفل حماية رأس المال في الدرجة الأولى، ما يعني إقصاء أي شركة مساهمة تقل نسبة حقوق المساهمين فيها إلى رأس المال المدفوع ”المتوسط المرجح لآخر عامين ماليين” عن 100 في المائة إلى السوق الموازية، وما فوق تلك النسبة تظل مدرجة في السوق الأولى ”الرئيسة”. وفي الدرجة الثانية؛ يتم تخفيض عدد الشركات المساهمة قليلة رأس المال كخياراتٍ استثمارية أمام مجتمع المتعاملين في السوق الأولى ”الرئيسة”، كأن يتم إقصاء الشركات المساهمة ذات رأس المال 250 مليون ريال فأقل إلى السوق الموازية.

بالطبع لم أعتمد على بعض المحددات الأكثر صرامة في هذا الاتجاه، وكما هو معمول به في بعض الأسواق المالية الناشئة والمتقدمة، التي تصل حدودها إلى اشتراط ألا يقل نمو صافي دخلها السنوي لآخر عامين ماليين عن 7.5 في المائة، أو 5.0 في المائة. أو ألا تقل نسبة حقوق المساهمين إلى رأس المال المدفوع ”المتوسط المرجح لآخر عامين ماليين” عن 120 في المائة، أو 115 في المائة. إضافةً إلى العديد من المحددات الأخرى البالغة الصعوبة على سوقنا المالية وفق أوضاعها الراهنة. ويكفي القول إن مجرد تطبيق الحد الأدنى من تلك المحددات مؤداه أن لدينا 70 شركة مساهمة مدرجة الآن مرشحة للإدراج في السوق الموازية! وصل صافي خسائرها السنوية حتى نهاية الربع الثالث من العام الجاري إلى -1.9 مليار ريال، يصل العائد على سهمها بالريال إلى -0.2 ريال للسهم، فيما جاءت نتيجة مكرر أرباحها سالباً، ولم تتجاوز القيمة الدفترية لسهمها أكثر من 8.7 ريال للسهم، ووصول مضاعف السعر السوقي للقيمة الدفترية إلى نحو 2.5 مرة.

أما بالنسبة إلى بقية الشركات المساهمة المرشحة للإدراج في السوق الأولى ”الرئيسة”، فإنه يصل إلى نحو 91 شركة مساهمة، وصل صافي أرباحها السنوية حتى نهاية الربع الثالث من العام الجاري إلى نحو 100.2 مليار ريال، وفي جانب مؤشرات هذه السوق الجيدة استثمارياً ”الرئيسة” فلم يتجاوز مكرر الأرباح فيها 13.9 مكرر، ووصل العائد على السهم فيها إلى نحو 3.4 ريال للسهم، أما القيمة الدفترية فقد وصلت للسهم المدرج فيها إلى 22.8 ريال للسهم، وبالتالي لم يتجاوز مضاعف السعر السوقي للقيمة الدفترية أكثر من مرتين. وكما سيُلاحظ القارئ الكريم الفوارق الكبيرة بين السوقين الرئيسة والموازية من جهة، فسيلاحظ أيضاً الفوارق الكبيرة بين التوجه الجديد المراد تحققه للسوق المالية، والواقع الذي تقف عليه في الوقت الراهن على مستوى المؤشرات الأساسية والسلوكية كافة.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/11/11/article_798995.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أسواق مالية, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.