إعادة هيكلة السوق المالية (1 من 2)

انتهى مجلس الشورى في جلسته العادية الرابعة والخمسين التي عقدها منتصف الأسبوع الماضي إلى عددٍ من المقترحات المتعلقة بالسوق المالية، دعا من خلالها هيئة السوق المالية إلى تبنّيها، كانت على النحو التالي:

- الدعوة لإنشاء سوق ثانوية للأسهم.

- إعادة النظر في قواعد التسجيل والإدراج وبما يضمن تجنب إدراج الشركات ذات الأداء المالي الضعيف.

- موافقة المجلس على قيام الهيئة بوضع الآليات المناسبة لمعالجة أوضاع الشركات المعلقة عن التداول لتحرير أموال المساهمين.

- مطالبة المجلس بالمسارعة في إصدار النظام الجديد للشركات.

- الموافقة على عدم السماح لمتعهدي التغطية من كبار المستثمرين الضامنين بتداول أسهمهم إلا بعد مضي ثلاثة أشهر من تداول أسهم الشركة في سوق الأسهم.

- الموافقة على منح صناديق الأسهم الاستثمارية ميزات إضافية بما يؤدي إلى تحفيز الأفراد للاتجاه لها.

- مطالبة المجلس هيئة السوق المالية بالفصل التام بين أجهزة السوق المالية ”هيئة السوق المالية، شركة تداول، مركز الإيداع”.

- مطالبة المجلس هيئة السوق المالية بتفعيل نص المادة السابعة من نظام شركة السوق المالية السعودية ”تداول” وطرح جزء من أسهمها للاكتتاب العام.

- تصويت المجلس بالأغلبية بعدم الحاجة لمناقشة توصية تدعو إلى السماح للشركات المدرجة في سوق المال بإعادة شراء 10 في المائة من أسهمها. ”حسناً فعل المجلس هذا، ولا يوجد تعليق إضافي”.

وكمساهمةٍ في إثراء الحوار حول تلك المقترحات، وبما يسهم في تعزيز ثقة المجتمع الاستثماري في السوق، ووضع السوق في موقعٍ أكثر صلابةً تجاه المخاطر والتذبذبات الحادة التي انعكستْ سلباً على المستثمرين عموماً، أقدّم هذين المقالين دعماً لهذا التوجّه الصائب. أتناول تلك المقترحات واحدة واحدة.

بدايةً؛ يبدو أن هناك خلطاً لدى بعض أعضاء مجلس الشورى حول مفهومي ”السوق الثانوية للأسهم” و”السوق الموازية”، الذي أدّى إلى نوعٍ من إرباك الرأي العام والمهتمين بالسوق المالية، قبل أن يُربك الأعضاء في المجلس، إذْ إن السوق المالية القائمة الآن تحقق تماماً مفهوم ”السوق الثانوية للأسهم”، في حين أنَّ اقتراح تجزئة تلك السوق المالية إلى سوقين ”سوق رئيسة” و”سوق موازية”، كل سوق يُفترض أن تتسم بخصائص متباينة تحقق الغرض الرئيس من فصلهما إلى سوقين، وارتكازاً على محدداتٍ معينة يتم فرز الشركات المساهمة المدرجة في السوق بناءً عليها. لأن هذا المحور هو الأهم والأثقل وزناً بين تلك المحاور، سيتم تخصيص المقال الثاني بعد غدٍ -بمشيئة الله- حوله، وأبدأ في هذا الجزء ببقية المحاور.

أولاً: في خصوص مقترح إعادة النظر في قواعد التسجيل والإدراج وبما يضمن تجنب إدراج الشركات ذات الأداء المالي الضعيف، فهذا مقترح دون شك ينشده الجميع، إلا أنّه يعترضه عدد من التحديات، لا يمكن لهيئة السوق المالية وحدها أن تفي به، دعْ عنك مجرد لائحة ”قواعد التسجيل والإدراج”.

ذلك أن عمل هيئة السوق المالية الخاضع لنظام السوق المالية، لا تستطيع بموجبه أن ترفض طلب أي شركة مساهمة بإدراجها في السوق إذا ما استوفتْ جميع الشروط والأحكام النظامية، ومهما فعلتْ الهيئة من خلال تضييق الخناق تحوّطاً منها تجاه تلك الشركات ذات الأداء المالي الضعيف، فلن تتمكن من تحقيق النجاح المطلوب، ذلك أن الأغلب من تلك الشركات لديها من المساحات ”محاسبياً” التي تمكنها بدرجةٍ ما من التلاعب بأرقام ميزانياتها وقوائم دخلها، سرعان ما تنكشف حقائقها بعد عام إلى عامين بعد الإدراج، وهذه جريمة أخرى يستحق عليها ”المؤسسون” تطبيق أنظمة تتجاوز صلاحيات هيئة السوق المالية.

إجمالاً، سيتبيّن في المقال الثاني من هذا الموضوع أن تجزئة السوق ستكفل تحقق هذا المقترح والمطلب الضروري لحماية السوق والمستثمرين بدرجةٍ أكبر من غيره من الخيارات. والحديث ذاته ينطبق أيضاً على موافقة المجلس بقيام الهيئة على وضع الآليات المناسبة لمعالجة أوضاع الشركات المعلقة عن التداول لتحرير أموال المساهمين، التي أعلنتْ عنها الهيئة سابقاً في أيار (مايو) من هذا العام، وكتبتُ حينها أن ما تزمع الهيئة القيام به في هذا الاتجاه ”مقاربة” في أدنى مستوياتها لتجزئة السوق، وأنّ عليها المضي قدماً بخطواتٍ أسرع وأقوى نحو تجزئة السوق.

ثانياً: مطالبة المجلس لهيئة السوق المالية، بالمسارعة في إصدار النظام الجديد للشركات. هذه المطالبة توجّه إلى وزارة التجارة والصناعة وليس إلى الهيئة، إذا لا يدخل في صلاحيات الأخيرة، وهو ضمن مسؤوليات ومهام وزارة التجارة والصناعة.

ثالثاً: موافقة المجلس للهيئة على عدم السماح لمتعهدي التغطية من كبار المستثمرين الضامنين بتداول أسهمهم إلا بعد مضي ثلاثة أشهر من تداول أسهم الشركة في سوق الأسهم، والموافقة على منح صناديق الأسهم الاستثمارية ميزات إضافية بما يؤدي إلى تحفيز الأفراد للاتجاه لها. هذا جانبٌ بالغ الحساسية، يجب أخذ الحيطة والحذر في خصوصه، إذا أردنا فعلاً التوجّه بمقدرات السوق نحو وضعها تحت السيطرة المؤسساتية، فلا يصح أنْ يتم ذلك بفرض المزيد من القيود والشروط على تلك الجهات، خاصةً تلك القيود التي تحد من حريتها، مثل تلك القوانين والقيود المتشددة ستأتي بنتائج عكسية، وقد تؤدي إلى نتائج وخيمة على السوق.

معلومٌ تماماً أن قرارات المؤسسات الاستثمارية والصناديق والمحافظ الكبرى تقوم على محدداتٍ اقتصادية واستثمارية رشيدة، تستهدف الربحية المقترنة بأدنى درجات المخاطرة، وهذا عامل يكفي في حد ذاته، فلا يحق أبداً التدخّل بفرض أو تقييد تملكها لأي أصلٍ استثماري لم تنطبق عليه تلك المحددات. مؤكداً، أن رفع كفاءة السوق بصورةٍ عامّة كفيلٌ بحل هذه الإشكالية، والنصيحة عدم التسرّع في الاتجاه.

رابعاً: مطالبة المجلس هيئة السوق المالية بالفصل التام بين أجهزة السوق المالية ”هيئة السوق المالية، شركة تداول، مركز الإيداع”. المعلوم أنها مفصولة الآن وفق ما نصَّ عليه نظام السوق المالية الصادر بمرسوم ملكي كريم، ولا تستطيع الهيئة فعل أكثر مما نصّ عليه النظام، فإن أردنا مزيداً من الفصل، فالمطالبة يجب أن تتوجه إلى إجراء التعديلات اللازمة على النظام لا إلى الهيئة.

خامساً: مطالبة المجلس للهيئة بتفعيل نص المادة السابعة من نظام ”تداول” وطرح جزء من أسهمها للاكتتاب العام. هذه المطالبة توجّه إلى وزارة المالية كون من يملك الشركة بالكامل هو صندوق الاستثمارات العامّة. وأستكمل الحديث معكم في الجزء القادم والأخير.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/11/09/article_798574.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أسواق مالية, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.