اقتصاديات "العاطفة"

مقال خاص بموقعي فقط

اصطدمنا في زمنٍ مضى ليس بالبعيد، بمصطلحٍ مبتكر كان عنوانه "ارتفاع سقف توقعات المواطن"، صمّمه وزير الاقتصاد والتخطيط في ثنايا حديثٍ متلفز له كردٍ على سؤال لمقدّم برنامجٍ تلفزيوني شهير؛ حينما سأله عن مطالبة المواطنين بضرورة رفع الرواتب، لتدنّي مستوياتها الراهنة أمام الموجات المتصاعدة للتضخم، وتآكل القوة الشرائية للريال السعودي! أنشغل الأغلبية آنذاك بالهضم العسر لهذا المصطلح المبتكر، وبقيتْ قضية الراتب المتآكل أمام الصدمات القاسية للأسعار "معلّقة" حتى الساعة!

أمّا المصطلح الأكثر تداولاً، والحاضر بكثافةٍ على ألسنة العديد من الوزراء كلّما واجهوا أسئلة من النمط "المُفْحِم"، فهو الرد البارع "أعْطنا حلول"! وفي رواياتٍ آُخرى "عندك حلول؟".. ما إنْ تنطلق تلك العبارة في وجه من يتلقّاها لسوء حظّه، إلا شعر كأنّما قُذف به حينها في بئرٍ أعمق من تلك التي قذف أخوة يوسف عليه السلام به فيها. وكسابقتها؛ أنشغل الأغلبية بالهضم العسر للمصطلح الجديد القديم، فيما بقيتْ القضايا الرئيسة المرتبطة به "معلّقة" حتى الساعة!

آخر ما تفتّقتْ به ذهنية المسؤول الحكومي في هذا السياق، هو كلمة "عاطفيّة" التي صدرتْ على لسان رئيس لجنة الإدارة والموارد البشرية في مجلس الشورى، رداً على مشروع توصيةٍ تقدّم بها عضو زميل له بالمجلس، استهدفتْ التوصية رفع الحد الأدنى لمعاشات المتقاعدين إلى 3 آلاف ريال! ولحقتْ هنا قضية المعاشات المتدنية للمتقاعدين بدورها سالفاتها المذكورة أعلاه، ويبدو أنّها ستبقى "معلّقة" لحينٍ من الدهر غير معلوم النهاية، إلا أنْ يكتب الله لها فرجاً من عنده لم يكن في الحسبان.

كما يبدو أنّ واقع الحال؛ يُنبئ بقلقٍ كبير عن أنّه لا ولن تنقطع "منابع" الأفكار المنتجة لتلك المصطلحات القارعة الرادعة، وأننا في طريق بدأتْ تتشكّل معالمه بوضوحٍ كبير، كأنّما يتحدّث عن تبلور نواة لنوعٍ جديد من "علوم الحوار"، يمزج هذه المرة بين علمي الإدارة والاقتصاد، يمكن تسميته بـ (اقتصاديات العاطفة)! أرجو أنْ يدفن في مهده قبل أن ينتشر ويصبح "فنّاً" رديئاً، يزيد من تلوّث سماءاتنا المشبعة بالقضايا المعلّقة للوطن والمجتمع، التي لم تلامس حتى الآن يد الإصلاح والعلاج أساس دائها وعلّتها، ما يُخشى معه اتساع دائرة الحلقة المفرغة لقضايانا التنموية، وبقائها دون حلولٍ مجدية تخلّصها من عثراتها المتكررة والمستمرة.

أتعلم ما هو الرابط المشترك بين كل تلك القضايا أعلاه، وغيرها مما لم يرد ذكره هنا؟ الرابط الذي لو لم يُتجاهل "عمْداً" لما صدرتْ أيّ من تلك العبارات غير المسؤولة؟ إنّه المتمثل في حيثيات أو أسباب نشوء تلك القضايا، التي دفعتْ بها للظهور على السطح بكل ما تحمله من اختلالاتٍ أو تشوهاتٍ، مخلّفةً ورائها آثاراً سلبية وخيمة على كافّة المستويات، سقطتْ بمثالبها على رؤوس شرائح بعينها من المجتمع المحلي، ما كان من تلك الشرائح المتضررة إلا أنْ أعلنتْ عن شكواها من الأضرار التي لحقتْ بها، وقدّمتْ مطالبها المشروعة إلى مكتب المسؤول بصفته صاحب علاقةٍ وقرار، لعلّه يتخذ القرار أو الإجراء المناسب، بما يكفل معالجة تلك القضايا أو التشوّهات، وبما يحد من آثارها السلبية، ويقضي عليها!

هكذا تجري الأمور، وهكذا يجب أن تجري وفق هذا السياق! أنْ يتولّى "الطرف" المسؤول بحْث ودراسة أي قضية ترتبط بمهام عمله، وفي حدود مسؤولياته والصلاحيات الممنوحة له، وبناءً على النتائج يُصدر أحكامه أو قراراته أو إجراءاته اللازمة! بل إنّ الأمر يتجاوز كل ذلك إلى أن يظل عامل المبادرة دائم الحضور في أيّ قضيّة تمس المتطلبات التنموية لحياة المجتمع، بما يكفلُ تضييق مساحات صدور شكاوى واعتراضات أفراد المجتمع من أيّ معوقاتٍ أو مشاكل، فيكون عمل الجهات الحكومية معنياً بالدرجة الأولى بضمان سير حياة مكونات الوطن والمجتمع على حدِّ سواء، وفْق آلياتٍ منسجمةٍ ومتناغمة، تمنع قدر الإمكان من تشكّلِ أيّ فجواتٍ محتملة بين واجبات ومهام تلك الأجهزة الحكومية من جهة، ومن جهةٍ أخرى الاحتياجات التنموية للمجتمع بكافّة شرائحه.

هل كانتْ ستصدر في الأصل عبارة "ارتفاع سقف توقعات المواطن" لو أنْ السؤال تضمّن حقيقة مفادها؛ أنّ الدخل الحقيقي منخفضٌ بنحو 55 في المائة بالمقارنةً مع الدخل الأسمي، وفقاً للبيانات الرسميّة الصادرة عن وزارة الاقتصاد والتخطيط؟!

هل كانتْ ستصدر في الأصل أيّ من العبارتين "أعْطنا حلول" أو "عندك حلول؟" لو أنّ أداء الجهات الحكومية المعنيّة كان على درجةٍ عاليةٍ من الإنتاجية والكفاءة، بما يكفي المواطن أو المواطنة عناء ترقّب لقاء الوزير المسؤول، وتجنّب هذا الحوار غير الودّي والمشحون بين الطرفين، الذي لم يثمر إلا عن مزيدٍ من تفاقم المشكلة، تاركاً إياها دون حلٍّ مجدي.

أخيراً وليس آخراً؛ هل كانتْ ستصدر في الأصل كلمة "عاطفية" التي انطلقتْ مدويّة تحت قبّة مجلس الشورى بين عضوين فيه هذه المرة، وليس بين مواطن ومسؤول! لو أنّ من أطلقها أوجد بالتعاون مع زملائه الأعضاء في لجنة الإدارة والموارد البشرية بالمجلس، ردوداً مقنعة على الأسباب التي قامت عليها التوصية برفع الحد الأدنى لمعاشات المتقاعدين إلى 3 آلاف ريال؟!

في الختام، يتطلّب الأمر جهوداً أكثر دأباً، وشعوراً حقيقي بالمسؤولية، للخروج من هذه الحلقة المفرغة الآخذة بالإتساع، وأنْ يتحلّى الطرف المسؤول بالشجاعة الأدبية الكافية، للإعتراف بالتقصير والخطأ إنْ وجد، وأنْ يتولّى فوراً مهمّة الإصلاح والمعالجة، وإنْ لم يوجد خطأ أو تقصير، أن يبادر فوراً بإيضاح الصورة كاملة للوطن والمجتمع، على أساسٍ من الشفافية والموضوعية المقنعة لكافّة الأطراف.

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.