كيف نخرج من فشل عدم الانجاز؟

سؤالٌ معلومٌ إجابته في العالم النظري، لكنّه مجهولٌ في واقعنا! لا أريد أنْ أجلب إلى القارئ إحباطاً هو في غنى تام عنه، فأغلبنا نرى ونسمع ما يعانيه المواطن من آثار تفاقم كثيرٍ من التحديات التنموية دون إحراز التقدّم المأمول، ودون ظهور الحلول في الكثير مما تقوم به الأجهزة الحكومية التنفيذية تجاهها، ثم يزداد وقْع المعاناة بتلك اللمسات النهائية التي ”يتفضّل” مجلس الشورى بوضعها، لتتسع دائرة المعاناة فور انتهاء تصويت أعضائه، التي غالباً ما تأتي لمصلحة الدفع بمزيد من العثرات لتلك التحديات التنموية.

وقعنا أو قل تورّطنا وسط ”ثلاث” دوائر معوّقة، امتزجت فيها مختلف نكهات التعثّر التنموي مع الأداء البيروقراطي الرتيب مضافاً إليه الشلل الحركي والفكري.. الدائرة الأولى: دائرة تضم العديد من التحديات التنموية، التي تشمل جوانب الظروف المعيشية من رواتب وأجور ومعونات، سواءً للعاملين أو المتقاعدين أو المشمولين بمعونات الضمان الاجتماعي، مروراً بما تعانيه مجالات الصحة والتعليم والإسكان وسوق العمل والنقل والطرق بين المدن والخدمات العامّة والترفيه، وصولاً إلى سفوح ارتفاع تكاليف المعيشة والغلاء ”التضخم”، والتلاعب بالأسعار، والغش التجاري، والازدحام المروري، وغياب الرقابة الحقيقية على أغلب ممارسات الفساد، وسوء استغلال المنصب الوظيفي، وغيرها مما تصبُّ نتائجه المدمرة بصورة أكبر على حساب المواطن أكثر من غيره!

الدائرة الثانية: العجز اللافت، من لدن مختلف الأجهزة الحكومية التنفيذية أمام تلك التحديات الجسيمة، وكم هو لافت جداً؛ أن تتشابه مواقف ومنجزات تلك الأجهزة أمام تلك التحديات والأزمات، ولعل عنصر ”التشابه” تسرّب في حقيقة الأمر من ”جمود” السياسات التي تتحكّم في أدائها كما سبق وتم إيضاحه هنا في أكثر من مقال، عدا يقيني بدور وأثر السمات الشخصية للمسؤولين، التي تؤثر هي أيضاً بدورها في آلية العمل والنتائج المترتبة على الأداء بمفهومه الشامل، لأيٍّ من تلك الأجهزة التنفيذية، كلٌ حسب موقعه ومجاله والموارد المتاحة لديه.

الدائرة الثالثة: مجلس الشورى، المنطقة الأولى والأخيرة بالنسبة لنا كأجهزة تنفيذية وكمجتمع، التي يُفترض أن تبدأ منه عمليات النظر والمراجعة للأنظمة والإجراءات وتقارير الأداء، وتنتهي في ضوئها مخرجات التوصيات اللازمة لعلاج الخلل، إنْ وجد، أو فتح نافذة للحلول اللازمة إذا ما تطلّب الأمر! لكنّ المجلس – بكل أسف – زاد ويزيد من وقْع التحديات، أمام تأخّره الشديد عن فعْل ذلك، لنعود من جديد في رحلة أكثر هبوطاً من الرحلة السابقة، وتبدأ دورة هابطة من زيادة للتحديات، وزيادة في فشل الجهود المعالجة للخلل، وزيادة في معاناة المواطن تجاه تلك الدوائر الثلاث أعلاه!

لا خروج من تلك الدوائر، وليس هذا هو المطلوب، فهي دوائر الجهد والعمل والسعي نحو النمو والتقدّم، وعلى قدر العمل والإنتاج تكون النتائج الحقيقية! المطلوب هو رفع كفاءة العمل والإنتاج، ومن ثم تستمر الوتيرة، ولكنّها هذه المرة تكون باتجاه صاعد لا اتجاه هابط، وستنبئك درجة التقدم المتحققة على مفردات الدائرة الأولى التي يستوطنها إمّا تحديات وأزمات، أو يستوطنها عملاً يتم، ومنجزاً يتحقق! كانعكاس لجهد وعمل وأداء الدائرتين الثانية (الأجهزة التنفيذية) والثالثة (التشريعية). من هنا؛ يتبيّن للمراقب والمواطن على حدٍّ سواء، أن معالجة تفاقم أوضاع الدائرة الأولى المحتوية على الفرص والتحديات، يبدأ من فحص الدائرتين اللتين تليه!

تتنوع مستويات المعالجة والإصلاح المأمولة وفقاً لما تسفر عنه عملية الفحص والمراجعة، وبناءً عليها يُفترض أن تقرر الإصلاحات اللازمة، سواءً بإحداث التغييرات اللازمة على مستوى السياسات والبرامج والأنظمة والإجراءات، أو على مستوى من يتولّى مسؤوليات التنفيذ والعمل! أو كليهما معاً.. بهذا النمط من العمل تحديداً ولا سواه سنتمكّن من تحقيق الأهداف النهائية، والتقدّم بدرجات على عوائق التحديات والأزمات مهما كان ثقلها، وتحقيق الاستفادة القصوى من الإمكانات والموارد المتاحة. عدا ذلك سنظل ندور طويلاً في حلقات مفرغة من التعثر وعدم التقدّم، وهو ما تحذر منه كل البلدان والمجتمعات الساعية لتحسين بيئات الحياة فيها.

يتطلّب كل ما تقدّم توافر عدد من المحددات والشروط التي تكفل نجاح تحققه، وغياب أي منها سيُضعف دون شكٍّ من فعاليته، وكما أن أسوأ النتائج هو غياب تلك المحددات، فإن أفضل النتائج ستتحقق إذا ما توافرت كاملة:

المحدد الأوّل: توافر الصلاحيات الكاملة والآليات الفاعلة، لدى أجهزة الرقابة والإصلاح ومحاربة الفساد والقصور في الأداء، إضافةً إلى توافر بيئة المحاسبة والمساءلة، ولعل أهم المواقع التي يجب أن تتوافر لديها تلك الاشتراطات هي (ديوان المراقبة، هيئة مكافحة الفساد، مجلس الشورى). جديراً بالذكر؛ أنّ أوّل من يجب أن تطبق عليه تلك الاشتراطات هي تلك الأجهزة، فإن تعثّر تطبيقها، أو تعذّر بالنسبة لها فلن تُفلح أية جهود سيتم بذلها من قبل تلك الأجهزة المشار إليها.

المحدد الثاني: توافر الحرية المقترنة بالضمانات اللازمة للإعلام بمختلف وسائله، كونه الوسيلة الأفضل للكشف عن أية جوانب للقصور، وكونه حلقة الوصل الأقوى والأفضل بين المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى مع بقية الأجهزة التشريعية والتنفيذية، فهو المجال المدني الوحيد الذي في سياقه يتم الكشف بكل شفافية عن جميع الفعاليات القائمة على أرض الواقع.

المحدد الثالث: توافر الشفافية والنشر المنتظم والشامل لكل البيانات والإحصاءات، التي بناءً عليها يتم قياس الأداء، ومراقبة كفاءة وإنتاجية أي جهاز تنفيذي، التي لا يمكن في غيابها التعرّف سواءً على مستوى حجم ودرجة ما أُنجز، أو على مستوى حجم التحديات والأزمات القائمة. إضافةً إلى أهميتها القصوى في تحديد وتوصيف مقترحات تحسين العمل، ورفع كفاءته، وزيادة الرقابة، فهي ”السلاح” الذي لا غنى عنه بالنسبة للمحددين السابقين أعلاه!

المحدد الرابع: أن تتوافر كل المحددات الثلاثة أعلاه! وأنّ غياب أو ضعف أحدها سيؤدي إلى الإطاحة بكل ما تم بناؤه من مقترحات.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/10/28/article_795769.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.