قيادة المرأة بين العائد والتكلفة

إنّها القضية السعودية الاجتماعية القديمة العهد، المتجددة الفصول. ورقةٌ تقلبتْ بها رياح الآراء المتصارعة طوال ربع قرنٍ مضى، تدخل في الوقت الراهن فصلاً جديداً من فصولها، رأيت من الضرورة بمكانٍ تناولها من الجانب الاقتصادي، بطريقةٍ أوسع وأشمل تتجاوز مجرد ذكر عدد السائقين وتحويلاتهم المالية، بما يساهم بصورةٍ دقيقة في وضعنا كمجتمع في الإطار المضمون السلامة، والمانع لإلحاق أيَّ أضرار بنا نحن فى غنى تام عنها.

بدايةً؛ أؤكد تأييدي التام لما كتبه الأخ الدكتور عدنان الشيحة في مقاله هنا في "الاقتصادية" يوم السبت الماضي بعنوان "قيادة المرأة.. ليست القضية"، وقد اختصر علي كثيراً من مقدمةٍ كنت سأوردها هنا، وقد أشار إلى أحد أهم أركان هذه القضية بمطالبته بالإجابة على "التساؤل الذي يطرح حول قيادة المرأة للسيارة من عدمه متعلقاً بمستوى الأمان ووجود منظومة متكاملة من الإجراءات والسياسات التي تحفظ قائدات المركبات من التحرش بجميع أنواعه، والتعدي على حريتهن وحقهن الشخصي في المكان العام". ترتفع أهمية هذا الجانب إضافةً إلى ما سأورده من جوانب في التمهيد لدراسة الخيارات المتاحة أمام المجتمع السعودي، لأجل تجاوز هذه القضية الجدلية الشائكة، وتحقيقاً لقول الدكتور عدنان في نهاية مقاله "لقد حان الوقت للنظر لقضايانا من منظور المعايير المهنية والأحكام الموضوعية والمنفعة المجتمعية والكفاءة الاقتصادية والتوافق السياسي"، أتى هذا المقال.

لنستعرض جوانب القضية بالأرقام وفقاً لواقعها الراهن اليوم، مبتدئا من صلب القضية وأساسها الذي ينطلق منه جوهر المطالبة بقيادة المرأة للسيارة، ممثلاً في عدد النساء السعوديات في سوق العمل. وصل عددهن في نهاية 2012 إلى نحو 586 ألف امرأة عاملة، ويُقدّر أن يتجاوز عددهن في نهاية العام الجاري 642 ألفا، وإذا ما أضفتْ طالبات المرحلة الجامعية "علماً أنّه تتوافر لهن وسائل نقل من الجامعات"، اللواتي قد يفضّل بعضهن القيادة إن سُمح بها، فإن العدد الإجمالي سيتخطّى الـ 1.2 مليون امرأة! والعدد مرشّح للزيادة إذا ما أُضيف إليه بعض ربّات الأُسر والمتقاعدات والمكتفيات مادياً، ليتجاوز 1.9 مليون امرأة.

آتي للركن الثاني من القضية ممثلاً في أعداد السائقين، وفقاً لإحصاءات وزارة العمل يُقدّر عددهم في نهاية 2012 بنحو 1.1 مليون سائق غير سعودي، ووفقاً للنمو المطرد في زيادة الطلب على استقدامهم الذي تزامن مع زيادة توظيف المرأة، حيث نما بين عامي 2010 و2011 بنحو 46 في المائة، من المرجح أن يبلغ عدد السائقين في نهاية العام الجاري نحو 1.5 مليون سائق!

ثم آتي للركن الثالث من القضية ممثلاً في عدد السيارات، فوفقاً لنشرة الواردات الصادرة عن مصلحة الإحصاءات، بلغ عدد السيارات المستوردة في نهاية 2012 نحو 982 ألف سيارة، بقيمةٍ إجمالية ناهزت 77 مليار ريال، وضع السعودية كأعلى دولة في العالم مستوردة للسيارات! ووفقاً للنشرات الدورية الصادرة عن المصلحة حول واردات السعودية حتى نهاية تموز (يوليو) الماضي، يُقدّر أن ترتفع واردات السعودية من السيارات بنهاية العام الجاري لأكثر من 1.04 مليون سيارة جديدة، بقيمةٍ إجمالية تناهز الـ 84 مليار ريال! تدفع هذه الأرقام السنوية لواردات السيارات لأن يتخطى عدد السيارات المتحركة على الأرض أكثر من 13 مليون سيارة في مختلف مدن وأرجاء البلاد.

أُضيف هنا لما تقدّم من أركان القضية عدداً من المؤشرات الواجب أخذها في عين الاعتبار، فعلى مستوى التركّز السكاني للمجتمع، بيّنتْ التوزيعات السكانية حتى العام الجاري، تركّز نحو 83 في المائة من السكّان في المناطق الحضرية "المدن"، أي أكثر من 24.74 مليون نسمة. أمام ما تشكّل لدينا من حقائق رقمية، يمكن فهم عدد من الظواهر السلبية المتفاقمة في مختلف مدن البلاد، وتحديداً في المدن الكبرى، لعل من أبرزها:

(1) بيّنتْ إحصاءات البنك الدولي الأخيرة احتلال السعودية للمرتبة الـ 12 عالمياً من حيث متوسط نصيب الفرد بالطن المتري من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بـ 16.2 طن متري!

(2) نتيجة الغياب شبه التام لبدائل النقل العام في مدننا، والاعتماد الكلي على السيارات كوسيلة نقل وحيدة، ارتفع نصيب الفرد من استهلاك الوقود بنهاية 2010 إلى 551.5 كيلو طن مكافئ نفطي، واضعاً إياه في المرتبة السادسة عالمياً، علماً أن جميع الدول التي سبقتها في الترتيب من الدول الصغيرة جداً، التي لا تصل مساحتها مجتمعة حتى إلى ثلث مساحة السعودية! وإذا ما أُخذ في الاعتبار الزيادات الكبيرة في استيراد السيارات للفترة 2011-2013 فإنني على يقين أن نصيب الاستهلاك قد ارتفع، والمرتبة قد ارتفعت!

(3) نتيجة عدم مواكبة التوسّع في تنفيذ مشروعات الطرق داخل المدن، وأمام الزيادة المفرطة في أعداد السيارات، ونتيجة للتركّز السكاني داخل المدن الرئيسة المحدودة العدد، طغت حالة الازدحام على أغلب شوارع المدن السعودية طوال أيام الأسبوع، حتى أصبحت من أكثر الظواهر الباعثة على القلق، عدا ما تخلّفه من طبقات هائلة من التلوّث فوق المدن، والتي قدّرت بعض الهيئات والمنظمات الدولية تكلفتها على حساب المجتمعات بنحو 10 في المائة في المتوسط من إجمالي الدخل المحلي للبلدان! أي ما يفوق الـ 200 مليار ريال بالنسبة للاقتصاد السعودي سنوياً، تمتد إلى معالجة الآثار الصحية والبيئية والتأخّر عن مواقع العمل التي يخلّفها الازدحام والتلوّث الناتج عنه.

يمكن القول أمام ما تقدّم من بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، إننا أمام أزمةٍ حقيقية من العيار الثقيل جداً! فمن جانبٍ؛ هناك حاجة فعلية لأن يتم توفير الخيارات الأفضل أمام المرأة السعودية تسهيلاً ودعماً لمشاركتها في بناء مجتمعها واقتصاد بلادها، ومن جانبٍ آخر تقف أمام هذه الخيارات العديد من العوائق الكأداء التي تعوق تحقق هذا المطلب التنموي المهم. خيار السماح لها بقيادة السيارة يواجه قصوراً كبيراً في البنى التحتية للمدن، وفي التشريعات والأنظمة التي تكفل لها الحماية، هذا عدا ما سيؤدي إليه من انسداد تام لجميع طرق وشوارع المدن، على افتراض أن مسألة التخلّص من السائقين غير السعوديين لن تكون على طريقة "الإحلال" كما يتخيّل البعض! وهذا يجعلنا على موعد مع مزيد هائل وكوارثي من الازدحام والتلوّث البيئي!

ما الحل إذا؟! قد يكون مناسبا في الوقت الراهن كحل سريع: (1) أن تتولى الجهات الحكومية والقطاع الخاص توفير وسائل نقل عامّة للنساء العاملات. (2) أن يتم الإسراع في تنفيذ مشروعات بدائل النقل داخل المدن من نقلٍ عام، وقطارات. (3) أن يتم إقرار الأنظمة والتشريعات التي تكفل مزيدا من حماية المرأة.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/10/23/article_794690.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.