9 أسئلة فقط .. لتطمئن قلوبنا

استكمالاً للحديث عن السياسات الاقتصادية، والمخاطر المحتملة من جمودها أمام واقعٍ تتسارع وتائر تغييره، زاد من سرعة إيقاعها زيادة درجة الارتباط بين مختلف بقاع العالم بصورةٍ مذهلة، من صورها أن أي قراراتٍ تصدر عن المستهلك الصيني، ترى انعكاسها المباشر فوراً على المواطن في كل من أستراليا والبرازيل ”بحكم عمق الشراكة التجارية بين تلك البلدان”، وانتقال تلك الآثار إلى بقية البلدان المرتبطة تجارياً واقتصادياً بالبلدين الأخيرين! لم يعد المرء وحيداً في هذا العالم، لقد تحققت تماماً المقولة التي انفجرت في قبل نهاية القرن الماضي بثلاثة عقود؛ أنّ العالم سيصبح قريةً صغيرة!

إنّنا نواجه اليوم عالماً يتحوّل بسرعةٍ أقل من أجزاء الساعة! تقلّصتْ خلال القرون الثلاثة الأخيرة من عشرات الأعوام إلى أن وصلتْ إلى وتيرتها المعاصرة، وتيرة أقل ما يمكن القول عنها إنّها ”الجنون” بعينه. فرض هذا الواقع برتمه المتسارع سيطرته التامّة على كل من ينتمي لعالم اليوم، نجح بصورةٍ لافتة كل من تعامل بمرونة عالية وديناميكية فاعلة معه ”كوريا الجنوبية، سنغافورة كمثال”، وسقط من تجاهلها سقوطاً مدوياً ”الاتحاد السوفياتي سابقاً ومعه الدول التابعة في أوروبا الشرقية كمثال”! وبين هذين المثالين لا يُستثنى أي بلدٍ من بلدان العالم من التأثّر، كل بلدٍ رهينٌ بما أنجزته حكومته ومجتمعه؛ بعضها أصبح في عداد الغابرين!

أنت أمام واقعٍ، كما أنّه يوفر أمامك فرصاً واعدة، فهو يوجد أيضاً تحدياتٍ جسيمة، تعتمد نتيجة النجاح أو الفشل بالنسبة إليك على آلية تعاملك مع مختلف تلك المعطيات؛ فرصاً كانت أم تحديات. سيمنحك اقتناص الفرص بصورةٍ جيدة خياراتٍ أوسع، تؤهلك لاقتناص فرصٍ واعدة جديدة من جهة، ومن جهةٍ أخرى لتتغلّب على التحديات الماثلة أمامك، بل يؤهلك حتى لاجتياز التحديات المحتملة مستقبلاً. أمّا تفويت الفرص، أو الهروب من مواجهة التحديات في وقتٍ مبكّر، فإنّه بداية الانزلاق التدريجي في نفق الانحدار، قد يبدأ بزاوية ميلانها (10 5) لا تشعر به في بداية الأمر، سرعان ما تتزايد في انحدارها لاحقاً إلى أن تصطدم بالقاع السحيق لتلك التحديات، أو الأزمات بمعنى أدق!

بالنسبة إلينا في بلادٍ تمتلك أكبر احتياطياتٍ نفطية؛ لماذا كل هذا القلق من المستقبل؟ لماذا يجب أنْ أستمع إلى ما يدوّنه الكاتب هنا، وأتجاهل طرح من هو أعلم وأكثر خبرة، الذي يستند إلى تقديراتٍ موثوقة بأن النفط سيبقى الرقم الصعب عالمياً لنحو قرنٍ مقبل أو يزيد؟ وأن اقتصادنا متينٌ جداً يحظى بالوفورات غير المسبوقة؟ ويحظى بأعلى درجات التصنيف الائتماني من أعرق المؤسسات الدولية؟ ويحظى بأعلى درجات الرضا من لدن صندوق النقد والبنك الدوليين، واصفاً سياساتنا الاقتصادية بالجيدة والحصيفة؟ إنّه قلق غير مبرر، ولا داعي له من قريبٍ أو بعيد! إن الأجدر في هذا الخصوص الاطمئنان التام إلى تلك التقارير الدولية، وإلى التصريحات الصادرة عن قيادات الأجهزة الاقتصادية والمالية لدينا، التي تؤكّد دائماً متانة اقتصادنا، وتمتعه بأعلى درجات القوة والثقة، وأنّه في منأى شبه تام عن أية تداعيات سلبية قد تعصف باقتصادات وأسواق العالم، بل إنّ تلك الأزمات حول العالم – على حدِّ تعبير بعض المسؤولين – تحمل في طياتها فرصاً واعدة بالنسبة إلينا، فلا مبرر أبداً للخوف منها أو القلق.

يزيد من الاطمئنان لكل ما سبق؛ أنّ حشداً هائلاً من المختصّين والخبراء وأعضاء مجلس الشورى، ورؤساء وأعضاء مجالس إدارات المصارف التجارية وكبريات الشركات المحلية، يؤيد بصورةٍ مطلقة كل تلك الرؤى الأكثر منطقية، والأكثر مصداقية! هل يريد الكاتب أو غيره ممن يحملون رأياً مختلفاً عن تلك الطروحات، أن نستمع إليهم ونتجاهل كل ما ورد أعلاه، وهو الأثقل وزناً، والأعمق تحليلاً، والأوثق تقييماً ورأياً؟

أحمد الله، أن إعلامنا المحلي ارتفعت خطوط حريته المسؤولة للأعلى، وإلا ما كنت ستقرأ هذا المقال هنا! فأقول: إذا كانتْ الصورة كما رُسمت أعلاه على هذا النحو من الجمال والبهاء، والقوة والثقة بما هو قائم عليه اقتصادنا الوطني، فهل من إجاباتٍ محددة عن الأسئلة التسعة التالية:

(1) ما تأثير تثبيت سعر الريال مع الدولار الأمريكي عند 3.75 منذ 1986م في التضخم لدينا؟ وما مدى تأثر الريال بانخفاض الدولار، هل كان أثره رافعاً للقوة الشرائية للريال أم مخفضاً، وكم هي نسبة الارتفاع أو الانخفاض خلال تلك الفترة؟

(2) تصرّح دائماً مؤسسة النقد العربي السعودي ووزارة المالية، بأن ارتباط الريال مع الدولار الأمريكي يحقق للاقتصاد السعودي الاستقرار! هل لنا بتقديم إثبات ذلك رقمياً؟

(3) هل قامت وزارة الاقتصاد والتخطيط بتقييم فعالية وكفاءة السياسات الاقتصادية منذ 1970م إلى اليوم؟ فإن كانت فعلتْ، فهل لها أن تنشرها للجميع؟ وإنْ كانت لم تفعل، فهلا قدّمتْ لنا مبررات عدم قيامها بذلك؟

(4) هل في استطاعة وزارة الاقتصاد والتخطيط تفكيك مصادر التضخم الراهن، بتحديد دور كل من: تضخم الواردات، انخفاض القوة الشرائية للريال، زيادة السيولة المحلية، زيادة الإنفاق الحكومي؟

(5) هل في استطاعة مؤسسة النقد العربي السعودي الإفصاح بصورةٍ دورية ومنتظمة، عن تحركات واتجاهات السيولة المحلية الهائلة لدينا، كما تقوم به البنوك المركزية حول العالم؟

(6) هل لوزارة المالية ومعها وزارة الاقتصاد والتخطيط الإفصاح المنتظم والمستمر عن درجة تنفيذ المشروعات الحكومية منذ 2006م حتى يومنا هذا؟ وتحديد أسباب التعثّر أو التأخّر أو التوقف حسب حالة كل مشروع؟

(7) بالتحديد، ما درجة ارتباط زيادة رواتب وأجور المواطنين في القطاعين الحكومي والخاص مع بزيادة الأسعار المحتملة إنْ حدثت الزيادة؟ وهل لضعف الرقابة على الأسعار دورٌ في ذلك؟

(8) لكامل الأجهزة الاقتصادية والمالية لدينا: ما دور السيولة المضاربية الهائلة المحتشدة في السوق العقارية في صناعة التضخم؟ وهل تعلم تلك الجهات من يقف وراءها؟ وماذا قامت به تلك الأجهزة كلٌّ حسب مسؤولياته ومهامه الرسمية تجاه تلك التشوهات الخطيرة؟

(9) إلى وزارة المالية: أيهما أعلى تكلفة على الاقتصاد الوطني، زيادة الرواتب والأجور وتحرير الاقتصاد الوطني بالكامل؟ أم ضخّ الدعم الشامل على السلع والخدمات بصورته الراهنة، التي لا تفرّق بين الأغنياء وذوي الدخل المحدود؟

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/10/21/article_794154.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.