البورصة العربية .. حلم أم واقع؟

واجهتْ ولا تزال رحلة التكامل الاقتصادي العربي الكثير من العقبات الكأداء، ولا يستطيع المرء إطلاق الحكم النهائي على أنّها فشلتْ تماماً، ولا يستطيع في الوقت نفسه الحكم على نجاحها ولو في أدنى درجات ما كان مأمولاً تحقيقه! إذاً هي ما زالت تراوح غير بعيدة عن نقطة البداية ”النظرية”، رغم بعض منجزاتها المحدودة جداً على أرض الواقع.

أشبعتْ المؤتمرات العربية المشتركة مادة البحث والتحليل وراء تعثّر اكتمال التكامل الاقتصادي العربي، وتوصّلتْ إلى تحديد العديد من الأسباب، واقترحت لها وصفات الحل، ورغم كل ذلك لم يتقدّم التكامل المأمول حتى إلى درجة المقبول، هذا عدا الانتكاسات التي تعرّضتْ لها بعض المبادرات العربية المشتركة نتيجة إمّا صراعات أو أزمات مستجدة بين دول العلاقة، أو لاكتشاف عدم جدواها الاقتصادية ما أفضى لانطفاء شمعتها مبكراً.

لعب التباين الكبير بين بيئات الاستثمار العربية دوراً في تعطيل ذلك التكامل، فلم يكن كافياً- كما أثبتت التجربة- القرار السياسي! وحين الحديث فقط عن هذه الفقرة الصغيرة من السّلة الأثقل للعوائق، فالحديث هنا يشمل غياب الضمانات، وشح مصادر التمويل، ونقص الخبرة، وتخلّف الأنظمة والتشريعات، هذا عدا تباينها من بلدٍ عربي لبلدٍ آخر، غياب المنافسة، الاصطدام والتعارض بين الأنظمة المحلية من جهة ومن جهةٍ أخرى الاتفاقيات المشتركة .. إلخ، المعوقات المتراصّة تحت فقرة ”تباين بيئات الاستثمار”، فما بالك فيما يتعلّق ببقية العناوين العامّة الأخرى المعوّقة بدورها لعملية التكامل الاقتصادي، سواءً على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو القضائي أو الاقتصادي أو أي اعتبارٍ حمل في مضمونه تبايناً أو تضارباً بين مجموعة الشركاء من مختلف البلدان العربية.

إذاً نحن أمام جولات طويلة من العمل والجهود لحقها من النجاح القليل، وعانتْ من الفشل في كثيرٍ من خطواتها، بل فقدت أحياناً حتى بعض ما تحقق لها من نجاح في أقل من عقدٍ تلى تحققه!

أتتْ في المرحلة الأخيرة من رحلة التكامل الاقتصادي العربي خطوة مختلفة تماماً عن كل ما سبق من محاولاتٍ عربية، لعل الرابط المشترك لكل تلك المحاولات السابقة فيما بينها أنّ بواباتها كانت ”الحكومات” العربية! بمعنى آخر كانت بواباتٍ سياسية في اتجاه مجالاتٍ اقتصادية ومالية. جاءت الخطوة الأخيرة منسجمة كمدخل اقتصادي مالي جديد مع مجالاتٍ اقتصادية ومالية!

ليس هذا فحسب نقطة الاختلاف الوحيدة؛ بل اختلفتْ عن سابق كل ما تم على طريق التكامل العربي حتى في مصادر تمويلها! فهي هنا تحاول أن تستمد تمويل كل رأسمالها من القطاعات الأهلية بعيداً عن أي مصادر تمويل لأي من الحكومات! وبالنظر العميق في جميع الجوانب التفصيلية للخطوة الأخيرة، فإنك ستصل إلى تصوّرٍ عن هذا المشروع العربي الجديد يختلف تماماً عن كل ما سبقه من مشاريع للتكامل الاقتصادي العربي.

المشروع هو تأسيس شركة البورصة العربية المشتركة القابضة ”شركة بحرينية مساهمة مقفلة”، الذي تم منتصف الأسبوع الماضي، سعياً لأن تصبح حاضنةً رئيسة لمنظومة البورصة العربية المشتركة، تغطي عملياتها كامل رقعة الوطن العربي عبر ثلاث مراحل، التي أقرَّ مشروعها القادة العرب في ”قمة الرياض الاقتصادية” الأخيرة، كانتْ قد عُقدت في مطلع العام الجاري في مدينة الرياض. إنّها مشروع طموح جداً على الرغم من الصعوبات الكبيرة الراهنة التي تلقي بظلالها القاتمة على سماء المنطقة العربية، إلا أنّه بفضل عمق الركائز التي يقوم عليها، لعل من أبرزها الجدوى الاستثمارية لأي مشروعٍ ينبثق عن الآليات المتقدمة لتقييم المشاريع، وليس لأي اعتبارٍ آخر، إضافةً إلى تركّزها في القطاعات الاقتصادية الحقيقية المرشحة للنمو والتوسّع، أؤكد أنّها قد تؤتِ بعض النتائج الأفضل على أرض الواقع.

إنّه مشروع يؤمل أن يكون هو المظلّة لالتقاء ”الممولين المحتملين” مع ”مطوري المشاريع”، وهذه الفكرة الرئيسة التي قامتْ عليها كل البورصات حول العالم، كونها ”عربية” فلأنها تحصر نشاطاتها في بلدان العالم العربي، وهذا ما افتقرتْ إليه كثيراً هذه المنطقة المهمّة من العالم المعاصر لعقودٍ طويلة. الأمر الإضافي في هذا الشأن؛ أن دور الحكومات محصور في جوانب مستقلة تماماً عن اتخاذ أي قرارات محتملة من أعضاء البورصة ”حرية السوق”، المحور الرئيس في تلك الجوانب الملقاة على عاتق الحكومات يتمثّلُ في ضرورة تهيئة الأنظمة المعمول بها حسب كل بلد، لأجل دعم تقدّم أعمال أعضاء البورصة، لعل من أهمّها ضمان سلامة تدفقات رؤوس الأموال، وسهولة النفاذ الشامل لمستفيدي وأعضاء البورصة العربية إلى قطاع الخدمات المالية، القائم على استخدام التكنولوجيا والابتكارات المالية، المؤدية إلى خفض تكلفة المعاملات، وبما يسهم في اتساع نطاق الخدمات المالية، وهو ما يلتقي تماماً مع آخر توصيات مجموعة دول العشرين G20 لأجل تعزيز النفاذ الشامل للخدمات المالية Inclusive Financial Access.

وفقاً للتقرير الأخير الصادر عن صندوق النقد العربي 2012، سيسهم بصورةٍ جيدة تقدّم مشروعٍ كمشروع البورصة العربية وفق الصيغة أعلاه، في زيادة نفاذ أكبر شريحة من المواطنين للخدمات المالية والتمويل، سواء كانوا أفراداً أو شركات في زيادة النشاط الاقتصادي، وتوفير المزيد من فرص العمل، وضمان عدالة توزيع الفرص الاقتصادية بين مختلف فئات المجتمع، التي بدورها ستساعد في تحسين المستويات المعيشية والرفاهية للمجتمع.

أمّا في جانب النفاذ لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة حسب التقرير؛ فعلى الرغم من أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة تشكل الجزء الأكبر من المشاريع العاملة في اقتصادات العديد من الدول العربية، واستيعابها للجزء الأكبر من العمالة، إلا أن البيانات المتوافرة أشارت إلى تواضع التمويل الموجه لها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأن قيمة التمويل الموجّه للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في هذه المنطقة تراوح بين 4 و 8 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي! وتعد تلك النسبة متدنية جداً مقارنةً بدول شرق آسيا والباسيفيك التي تصل فيها النسبة إلى 15 في المائة.

لأن البورصة العربية تتركّز في أغلب أهدافها على تلك النوعية من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فإنّ الأمل كبير في أن تسهم مستقبلاً في زيادة وتطوير قنوات تمويل تلك المشاريع، وأن تتحقق الأهداف المأمولة منها على نحوٍ يعزز من خلق فرص الاستثمار وتنميتها في المنطقة العربية، تسهم في خلق المزيد من فرص العمل الكريمة للمواطن العربي، بما يؤدي إلى رفع مستوى الدخل، ويساعد على تضييق دوائر الفقر والفساد والجهل.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/10/05/article_790798.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.