أخيراً .. منْع احتكار المشروعات الحكومية

أعدُّ الخبر المهم الذي نشرته صحيفة ”الاقتصادية” في عددها 7288 يوم الثلاثاء الماضي 24 أيلول (سبتمبر) 2013، واحداً من أهم الأخبار الإيجابية التي طالما انتظرها قطاع المقاولات والإنشاءات في السعودية على وجه الخصوص، والاقتصاد الوطني بصفةٍ عامّة! لما حمله من مكاسب عالية الجدوى وبالغة الأهمية، حُرم منها الاقتصاد الوطني سنواتٍ طويلة، وفي الوقت ذاته عرّض الاقتصاد وواقع التنمية في البلاد عموماً، وقطاع المقاولات والإنشاءات على وجه التحديد للعديد من المخاطر والأضرار الجسيمة.

الخبر يقول وفقاً لـ ”الاقتصادية” إنّ المقام السامي أصدر قراراً بمنع ترسية المشروعات الحكومية على شركات معيّنة، أو طرحها في منافسات محدودة. وإن القرار صدر بعد الزيادة الكبيرة المُلاحظة في طلبات بعض الجهات الحكومية بالاستثناء من أحكام ”نظام المنافسات والمشتريات الحكومية”، وطلب ترسية مشروعاتها على شركة معينة، أو طرحها في منافسة على عدد محدود من الشركات. الذي يتعارض بدوره مع نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، القاضي بطرح المشروعات الحكومية في مناقصاتٍ عامة، لإعطاء الفرصة العادلة للمقاولين المؤهلين للدخول فيها، وحصول الحكومة على أسعار مناسبة للمشروعات.

ليعلم القارئ الكريم عن ماذا يتحدّث القرار؟ وعن أيّ قضيةٍ يتناولها؟ إليكَ بعض الحقائق الرقميّة المستندة إلى مصادر رسميّة ”بيانات الميزانية السنوية الصادرة من وزارة المالية”. تجاوز عدد المشروعات الحكومية المعتمدة في الميزانية العامّة للدولة خلال آخر عشر سنوات 2004-2013 أكثر من 25.5 ألف مشروع حكومي، ما يضع المملكة في المرتبة الأولى عالمياً من حيث عدد المشروعات الحكومية المعتمدة خلال فترة المقارنة! بلغتْ قيمتها المعتمدة نحو 1.84 تريليون ريال! فيما بلغتْ القيم الإجمالية للمشروعات التي تمَّ توقيعها لأجل التنفيذ نحو 1.1 تريليون ريال! أيّ ما نسبته 59.7 في المائة، فيما وصل الرصيد التراكمي للمخصصات المالية غير المستغلّة إلى 602.6 مليار ريال، أيّ ما نسبته 32.8 في المائة.

ولا يتوقّف الأمر عند هذا الحدِّ، الذي يتبيّن من مؤشراته الأولية، تأخّر تنفيذ ثُلث المشروعات الحكومية المعتمدة بصورةٍ نهائية من الدولة! بل لقد تعرّضتْ حتى تلك التي بدأ تنفيذها والصرف عليها من خزانة الدولة إلى العديد من المعوقات والتعثّر بنسبٍ راوحت خلال الفترة بين 10 و40 في المائة! وهو ما يُشير في حدود تلك النسب القصوى إلى تعرّض المشروعات الحكومية لهدرٍ مالي تراكمي يناهز 365.4 مليار ريال، ليصل إجمالي المخصصات غير المستغلة والمتعثّر من تلك المشروعات خلال السنوات العشر الأخيرة إلى نحو 964.4 مليار ريال، أيّ ما نسبته 52,4 في المائة من إجمالي قيمة المشروعات الحكومية المعتمدة في الميزانية العامّة.

يمكن الآن إدراك الأهمية القصوى لهذا القرار، الذي طالما انتظره الاقتصاد الوطني، وطالما تم التحذير من ”مستنقع الاستثناءات” الذي اعتادتْ غالب الأجهزة الحكومية التورّط في أوحاله، حدث كل ذلك على الرغم من الوجود الرسمي لـ ”نظام المنافسات والمشتريات الحكومية”، أتى هذا القرار البالغ الأهمية مُعيداً الأمور إلى نصابها القانوني السليم. أقول مؤكّداً على أهمية ما صرّح به الدكتور عبد الرحمن الزامل رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية في الرياض عقب صدور القرار، أن تأخذ كل الوزارات القرار بوضوح، وأنَّ على جميع الغرف التجارية في البلاد متابعة تطبيق هذا القرار نصاً، والرفع بأيّ مخالفات للقرار، بل أُشير أيضاً إلى ما حملته تلك الاستثناءات من مخالفاتٍ صريحة لـ ”نظام المنافسة” الهادف إلى حماية المنافسة العادلة وتشجيعها، ومكافحة الممارسات الاحتكارية المؤثرة في المنافسة المشروعة، وفي هذا المقام؛ يتساءل المرء مستغرباً عن سرِّ الغياب والصمت الذي لازم ”مجلس حماية المنافسة” تجاه تلك الممارسات المخالفة طوال تلك السنوات، بصفته المسؤول الأوّل والأخير عن تطبيق ”نظام المنافسة” والالتزام به وعدم مخالفته؟!

لقد أدّتْ الاستثناءات وعمليات الالتفاف غير المبررة من قبل بعض الأجهزة الحكومية على ”نظام المنافسات والمشتريات الحكومية” و”نظام المنافسة” إلى العديد من السلبيات، تجاوزتْ بعض تلك السلبيات بآثارها الخطيرة ما هو أبعد من ذلك، فكما تبيّن أعلاه من أرقامٍ رسمية أن أكثر من نصف قيم تلك المشروعات الحكومية الحيوية، تعرّض إمّا إلى عدم الاستغلال الأمثل أو إلى التعثّر والتأخير! ووفقاً لما تم رصده على المستوى التفصيلي لمنجزات مختلف الوزارات والأجهزة الحكومية، عبر قياس ما أفصحتْ عنه في بيانات الميزانية المالية السنوية، بمقارنة ما تم اعتماده من مشروعات وما تم إنجازه، أؤكّد أن عمليات الرصد أظهرتْ مفارقاتٍ أشد صدمة! إذ لم تتعدَّ نسب الإنجاز 24 في المائة لدى تلك الأجهزة كأفضل نسبة أداء تم تسجيلها، وهو ما ينبئ عن احتمالاتٍ بالغة الخطورة هنا، وأنّ حجم الهدر المالي المقدّر أعلاه قد يرتفع إلى نحو 1.4 تريليون ريال خلال الفترة 2004-2013، أي ما نسبته 76 في المائة من إجمالي قيمة المشروعات المعتمدة!

كما أفضتْ حالة الاستثناءات والتملّص من النظام إلى مخاطر أخرى ذات آثار بعيدة المدى، كان من أخطرها المساهمة في زيادة التركّز والاحتكار لصالح شركات معدودة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، مستأثرةً بغالب عقود المشروعات الحكومية، وبتلك القيم الهائلة، كل ذلك تم على حساب آلاف الشركات والمؤسسات الوطنية المستثمرة في قطاع المقاولات والإنشاءات، التي من جانب دفعت كرؤوس أموال المليارات من الريالات، ومن جانب آخر احتوت رجال أعمال وقوّة عمل سعوديي الجنسية، انتهى مصيرها إمّا إلى التوقف عن ممارسة نشاطها وهو أقل الضرر، وبعضها الآخر تورّط ملاكها في ديون تفوق رؤوس أموالها بعدة أضعاف، هذا عدا تحمّلها غرامات مالية هائلة نتيجة تورّطها بصورة مجحفة في عقود بالباطن مع الشركات المحتكرة للمشروعات الحكومية، سواء بصورة مباشرة معها أو غير مباشرة.

دعْ عنك بقية الآثار المرتبطة بسوء التنفيذ، والمبالغة في الأسعار ما حمّل ميزانية الدولة تكاليف باهظة، إضافةً إلى ما ترتّب عليه من زيادةٍ في استقدام العمالة من الخارج، وتحوّل تلك الشركات المحتكرة للمتاجرة بها في سوق العمل، تشكّلتْ على أثره أسواق سوداء مختلفة، ألحقتْ أشد الأضرار والتشوهات بالاقتصاد الوطني، لا على مستوى جودة المنتج أو الخدمة، ولا على مستوى الأسعار التي ارتفعتْ بمعدلاتٍ مجحفة، جاءتْ وخيمةً على المستهلك النهائي، كل تلك الآثار – وهي كافية لاكتشاف مخاطرها العالية جداً – وغيرها من الآثار الخطيرة الأخرى التي لا يسمح بذكرها حجم المقال، والتي تضمنتها العديد من الدراسات والمذكرات المعدّة من قبل الغرف التجارية السعودية في مختلف مناطق المملكة، أؤكّد أن كل تلك الآثار كنّا في غنى تام عنها لو أنّ الأجهزة الحكومية المعنيّة التزمتْ بـ ”نظام المنافسات والمشتريات الحكومية”.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/09/28/article_789054.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.