الحقيقة.. كل الحقيقة.. ولا شيء غير الحقيقة

هذا ”النص القانوني المحكم” هو ما يُقسم عليه من يقف أمام القضاء في أغلب المحاكم حين الإدلاء بشهادته، إنّه نصٌ يحاصر بالتمام والكمال ”الحقيقة” التي يُبحث عنها، في شطرها الثاني يشترط كمالها وعدم نقصانها، وفي شطرها الثالث والأخير يشترط ألا تختلط بأي إضافةٍ لا تمتُّ لها بأي صلة.

إننا في أمسِّ الحاجة لغرس هذا النصِّ المحكم في مجريات حياتنا، وتحديداً على رؤوس أهرام المسؤوليات تجاه الوطن والمجتمع، حينها سينقطع وصْل كثيرٍ من التضليل الممارس على رؤوس الأشهاد، وسيتصل دون تزييف للواقع رابط الإصلاح ضد فساد القول والعمل. حينها ستكتملُ أمامنا الصورة الحقيقية لأيّ معطى من معطيات حياتنا، وعليها يمكن دون شكٍّ اتخاذ ما يتطلبه الأمر من قراراتٍ وإجراءاتٍ تلامس عملياً وبنجاح احتياجاتنا، وتحقق الحلول الصارمة للمشاكل والتحدّيات التي تواجهنا في تخوم مصيرنا المشترك.

أفضى الغياب الفادح للحقيقة، وما يقتضيه واقع الالتزام بها وفق هذا المنظور؛ إلى وقوعنا في شرورٍ فاق خطرها حتى مقدرة إمكاناتنا الهائلة، ومضى بنا عبر زمنٍ طويل من الابتعاد عنها، إلى تورّطنا بأوحالٍ غلب عليها عدم الوضوح والشفافية، نتج عنها اندفاعنا إلى اتجاهاتٍ أبعد، كان منطلقها وأصلها في حقيقته ”مزوّر” وغير دقيق! فماذا يُتوّقع أن نصل إليه غير السراب؟!

أسْقطْ هذا النص المحكم على كامل معطيات وجودنا اليوم، ثم أنظر للنتائج! إنْ بدتْ لك في غاية الإزعاج وعدم الرضاء، فلا تبتئس كثيراً، فإنّها على أرض الواقع أشد بؤساً وتنكيلاً.. فأنت حينئذ؛ إمّا الإصلاح ومعالجة الخلل مهما كلّف الأمر، وإمّا أن تبتلع جرعة ”الكذبة” كاملةً بكل ما تحتويه من زيفٍ وخداعٍ للعقل والضمير، وتمضي في طريقك الذي اعتدت المسير عليه، وفي نهاية الطريقين أنت وحدك فقط من سيجني ثمرة النهاية، إنْ هي ثمرة يانعة القطاف فنعمّا هي، أمْ كانت حنظلة بطعم العلقم.

لماذا يلجأ المرء أحياناً إلى الالتفاف على ”الحقيقة” ولا يواجه تبعاتها؟ إنّه نوع من الهرب القصير الذكاء، أنْ تتورّع عن مواجهة أمر هو هينٌ جداً مهما بلغ أذاه، مقارنةً بفداحة الأذى الذي ينتظرك في نهاية الطريق الآخر، طريق الزيف! اليوم قد تنجح في الهروب من خسارةٍ قيمتها قد لا تتعدَّى 100 ريال، لكنّك قد تتورّط بعد زمنٍ لن يكون بعيداً في خسارةٍ قد تفوق مليون ريال أو أكثر!

يبدأ الأمر من داخل أنفسنا، إنّ أوّل مواجهة للحقيقة هي مع ذواتنا، إنْ نجح كلٌ منّا في هذا التحدّي، فعلى قدر هذا النجاح المتحقق سيأتي ما بعده قريب منه! ولا يعني هذا أنّ الكاتب قد فعلها بالدرجة الكاملة، بل إنّ التقصير يعتريه أكثر من سواه، والمرء يجتهد قدر الإمكان. يجب الإدراك جيداً أن فعْلٍ كهذا العمل الشجاع مع الذات، سيكون له ثمن، وسيتطلب تضحيات وليس مجرد تضحية، قد تخسر الكثير من العلاقات والصداقات، وقد تخسر أموالا، وقد تخسر فرصاً يسيل لها اللعاب، وقسْ على ذلك الكثير! لكن؛ في نهاية طريق حياتك الطويلة بإذن الله، ستكون حققتْ أغلى هدفين: (1) أنّك كسبتْ نفسك واحترامها، وكفيتها شروراً عديدة كانت ستحصد من كرامتها ما لا يمكن تعويضه بأيّ مالٍ في الدنيا مهما بلغ مداه! (2) أنّك كفيت نفسك تحمّل تكاليف أكبر من تلك التي تحمّلتها يوم أنْ صدقتْ مع ذاتك، وقبلها صدقت مع خالقك! فلا ضرر أبداً أن تخسر دنياك كلها مقابل أن تربح آخرتك، دار الخلود!

سيمنحك اجتياز التحدّي مع النفس، والصدْق معها، قوةً خارقة لاجتياز ما بعدها من التحديات! وستمنحك بصيرة مؤمنٍ يمدّها الله بعونه الذي لا ينقطع في طريق الحياة الفانية، وأهم من كل ذلك أنّه لا ولن يخذلك – بإذن الله – في يومٍ تتقلّب فيه القلوب والأبصار! هذا ينطبق على كل امرئ منّا مهما كان مركزه في هذه الدنيا، كبر مقامه أم صغر، فلا أحد يُستثنى من سنّة الخالق في الخلق.

ليصدق الطالب مع نفسه، والموظف والمسؤول وكل ذي تكليف في حياته، ولنصدق مع غيرنا في تعاملاتنا كافّة، قد تقول هذه مثالية مستحيلة التحقق! حسناً، على أقل تقدير لنبدأ بالممكن مهما ضعف وزنه، وشيئاً فشيئاً يرتفع هذا الالتزام إلى أقصى درجاته، لكن أنْ تبقى الأوضاع في الدرْكِ الأسفل، فهذا ما لا يمكن تصوّر عواقبه الخطيرة.

إنْ أقمنا ”الحقيقة.. كل الحقيقة.. ولا شيء غير الحقيقة” في أغلب جنبات حياتنا، فلن يستعصي علينا بعدئذ محاربة الفساد وأهله، ولن نعجز عن حل أزماتنا مهما بلغ مداها. بل سنقيم جداراً حصيناً ضد أية اختراقاتٍ مهما كانت قوّة مصدرها على جبهتنا الداخلية، ولن يجد بيننا فاسدٌ أو صاحب غاية للشر والخديعة موطناً، ولن يجد المتملقون ومحترفو الكذب والتزوير موطئ قدم، ومليون ”لن” يقف وراءها كل شرّ مستطير..

المؤكّد هنا لأجل تحقيق العملية فيما يُطرح هنا، أنْ يبدأ المرء بها مع نفسه، وأنْ يشترطها في أي تعاملٍ مع غيره، هكذا سنجد بناءً من الحقائق غير المزوّرة، قد أخذ طريقه في العلو والاتساع، ستجده بعد حينٍ من الدهر غير بعيد، وقد غدا صرحاً يضم طالباً وموظفاً وجاراً وصديقاً وتاجراً وعاملاً ووزيراً ومسؤولاً، توحدتْ أفئدتهم حول المبدأ القويم ذاته، لا يلبث أنْ تجده يلفظ كل زيفٍ وباطلٍ مهما كان وزن حامله!

إنّها عملية متكاملة تبدأ بـ ”فكرة” وتنتهي بـ ”مصير”، كتب ستيفن كوفي في كتابه الشهير العادات السبع للقادة ما يلي: ازرع فكرة تحصد عملاً، ازرع عملاً تحصد عادة، ازرع عادةً تحصد شخصية، ازرع شخصية تحصد مصيراً. ولتعلم أنّ الأمر ليس مجرّد فكرة مثالية عصيّة على التحقق، تأكّد أنّ كل ما تراه عينك، ويدركه عقلك من حولك من سلوكيات الناس، الجيد منها والسيئ، قد مرّتْ بهذا المعادلة السلوكية البشرية! سواءً كانت إيجابية أم سلبية.

أنت ترى بعينك الآن؛ أيّ أثرٍ بالغ الأهمية لأي قولٍ أو فعلٍ قد تفق مع ”الحقيقة.. كل الحقيقة.. ولا شيء غير الحقيقة” أو يختلف عنها! اللهم أعنّا على العمل بما نقول، ولا تجعلنا ممن يقولون ما لا يفعلون، آمين.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/09/30/article_789492.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.