قياس كفاءة أداء سوق العمل (1 من 2)

أتمّتْ سلسلة ”قياس كفاءة الأداء” حتى ما قبل هذا المقال، الحديث عن قطاعي التعليم والصحة، وانتهتْ في خلاصتها إلى تحقيق القطاعين معدلات أداء على مستوى تنفيذ مشروعاتها المعلنة كالتالي: نحو 14.7 في المائة لقطاع التعليم، فيما تراوح معدل الأداء بالنسبة للقطاع الصحي بين 13.5 في المائة لعدد الأسرّة، ومعدل 24.1 في المائة لعدد المستشفيات.

اعتمدت خطتا التنمية الثامنة والتاسعة (الفترة 2007-2011م) لقطاع التعليم أكثر من 365 مليار ريال، بينما اعتمدتْ الموازنات المالية السنوية له نحو 611.4 مليار ريال، بزيادةٍ وصلت إلى 168 في المائة. وبالنسبة للقطاع الصحي، اعتمدت الخطط له عن الفترة 2007-2011م نحو 155.9 مليار ريال، بينما اعتمدتْ الموازنات المالية 266.1 مليار ريال، بزيادةٍ وصلتْ إلى 71 في المائة.

إنّها مفارقاتٌ خطيرة جداً؛ المخصصات المالية تتزايد بأكثر من الضعف، يقابلها تراجع باعثٌ على القلق في معدلات الأداء! محدثاً فجواتٍ قاتمة اتسعتْ عاماً بعد عام، تفسّر بصورةٍ كبيرة المشهد التنموي المتعثّر الماثل أمامنا.

آتي الآن للحديث عن سوق العمل، وتحديداً في القطاع الخاص، بصفته القطاع المستهدف بتوظيف العمالة الوطنية. هنا سنجد انفصالاً شبه تام بين ما نصّتْ عليه خطة التنمية التاسعة (2010-2014) من جهة، ومن جهةٍ أخرى ما جرى ويجري على أرض واقع السوق منذ نهاية 2010م تحديداً إلى اليوم، ذلك أن الخطّة استندتْ في برامجها على ”استراتيجية التوظيف السعودية”، التي كانتْ تستهدف تنفيذها في منظور 25 عاماً على ثلاثة آجال (القصير، المتوسط، والطويل)، صدرتْ موافقة مجلس الوزراء الموقر عليها بموجب القرار رقم (٢٦٠) وتاريخ ٥ شعبان 1430هـ، وقد انطلقتْ الاستراتيجية من رؤية كان مقتضاها: توفير أعداد كافية من فرص العمل وبأجور مناسبة، لتحقق توظيفاً كاملاً للقوى البشرية السعودية، وتضيف ميزة تنافسية للاقتصاد الوطني”.

لعلّه من المهم والمفيد جداً للقارئ الكريم الاطلاع على الفصل العاشر في خطّة التنمية التاسعة ”القوى العاملة وسوق العمل”، ومقارنته بما تقف عليه سوق العمل السعودية في الوقت الراهن، إذْ لن يجد على الإطلاق أي علاقة أو نقطة التقاء بين الموضوعين!

أدركتْ ”استراتيجية التوظيف السعودية” جيداً حجم التحديات الجسيمة في سوق العمل، وارتباط أغلب التشوهاتِ فيها بالتشوهات العميقة في هيكلة الاقتصاد الوطني، ولهذا وضعتْ لبرنامج عملها التنفيذي فترة زمنية امتدتْ لـ 25 عاماً، لكن بكل أسف لم يُقدّر لها رؤية الحياة، فما إنْ أُقرّتْ بعد جهد أربع سنواتٍ من العمل المشترك والدقيق بين كلٍ من وزارة العمل والقطاع الخاص، إلا وقد أزاحتها وزارة العمل عن الوجود، ليحل مكانها ما لم يتوقّف تدفّقه من قراراتٍ وإجراءاتٍ وبرامجٍ وحملاتٍ منذ نهاية 2010م إلى يومنا هذا، فماذا كانتْ النتيجة؟! لا أعتقدُ بالنسبة للكاتب طوال أكثر من عامين ونصف مضيا، أن هناك قضيةً احتلت سلّم قضاياه غير سوق العمل المحلية ”البطالة, حافز وثغراته العديدة، تشوهات السوق الهيكلية وضعف السياسات التي تعالجها، تدنّي الأجور، تآكل الدخل الحقيقي للعمالة الوطنية من جرّاء التضخم، تردّي الوظائف التي يتم توطينها، تواضع ومخاطر الوظائف المهيأة للنساء السعوديات، تفاقم تحويلات العمالة الوافدة، زيادة الاستقدام على عكس ما تم استهدافه.. إلخ”. كل هذا يؤهل الكاتب للقول إنَّ وضع سوق العمل المحلية، قياساً على ما وصلتْ إليه من حقائق على أرض الواقع، تلك الحقائق التي طالما تم التحذير من الوصول إليها! وها قد تجاوزتها إلى ما هو أخطر وأعنف آثاراً منها، واللافت هنا أنَّ وتيرة تحوّلها من مخاطر متوقعة إلى وقائع قائمة في أرضية السوق، لم يعد يستغرق إلا عدّة أشهر أو أقل من ذلك! ساهم ويُساهم في عدم الانتباه إليها؛ انشغال وزارة العمل والرأي العام بارتفاع معدلات التوطين في القطاع الخاص من 10.4 في المائة بنهاية 2010م إلى 13.4 في المائة بنهاية 2012م، وزيادة أعداد المواطنين العاملين في القطاع الخاص خلال الفترة نفسها بـنحو 75 في المائة، والحديث الأبرز بتضاعف العاملات السعوديات خلال الفترة بنحو أربعة أضعاف، كل هذه التطورات وغيرها طغتْ على عناوين الأخبار والتقارير، ولم تدرك بعْد وزارة العمل في الوقت ذاته ما تزامن وتفاقم معها من تشوهاتٍ ومخاطر.

ذكرتُ في مقالٍ سابق، نُشر هنا في ”الاقتصادية”، أن سوق العمل المحلية غدتْ على حالٍ معقّدة من أبرز سماتها ما يلي: (1) انخفاض إنتاجيتها. (2) وظائف متدنيّة المهارات والتعليم والتأهيل: نحو 6.7 مليون وظيفة، تشكّل 79 في المائة من مهن القطاع الخاص، شكّل السعوديون من مجموعها 7.8 في المائة بنهاية 2012م. (3) وظائف متدنية الأجور قياساً على تدنّي مهاراتها: راوحتْ أجور الوظائف المشار إليها في الفقرة (2) بين 490 ريالا شهرياً و1927 ريالا شهرياً. (4) تضاؤل الوظائف الملائمة للسعوديين قياساً على ارتفاع مؤهلاتهم التعليمية، إذْ لم تتجاوز في مجمل السوق 1.2 مليون وظيفة ”شكّل السعوديون منها 21 في المائة، وغير السعوديين 79 في المائة”.

لم تعد وزارة العمل تنشر في تقاريرها السنوية توزيع العمالة ”سعودية، غير سعودية” حسب المؤهل العلمي، وكان آخر ما نشرته حول هذه الهيكلة للسوق في التقرير السنوي لعام 2010م! لماذا؟! إنّه أحد أهم المؤشرات على حقيقة السوق، ورغم ذلك حينما تقارن ما ورد في ذلك التقرير القديم نسبياً مع التوزيع ذاته للعمالة حسب مؤهلاتها العلمية للعديد من دول العالم ”إحصاءات البنك الدولي 2013م”، فإنك ستصعق من هول النتائج! وأنا على يقين بأنَّ الإحصاءات الأحدث لدى وزارة العمل حول هذا التبويب أسوأُ مما ورد في تقريرها السنوي 2010م.

بيّنت المقارنة على هذا المستوى؛ أنَّ نسبة العاملين من حملة الشهادات الجامعية لا تتجاوز 5.9 في المائة (للسعوديين 11.8 في المائة)، محتلّة بهذه النسبة المرتبة الـ 81 بين 83 بلداً توافرت بياناتها (خلفها فقط كمبوديا وقيرغيزستان بـ 2.5 في المائة). فيما احتلّت السوق السعودية المرتبة الأولى بين 84 بلداً لنسبة العاملين من حملة الشهادة الابتدائية فما دون بـ 74.9 في المائة! لعلنا ندرك الآن جميعاً لماذا لا تملك سوقنا القدرة على الإنتاج؟ ولماذا وارداتُ البلاد السلعيّة تتجاوز 3.1 ضعف صادراتها غير النفطية؟! وللحديث بقية، فما تطرّقتُ إليه هنا؛ ليس إلا غيضاً من فيضٍ لا ولن يتسّع له المجال هنا.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/09/16/article_786015.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.