قياس كفاءة الأداء .. (2) التعليم

لا يوجد أهم من قطاع التعليم في أيّ بلدٍ حول العالم، إنْ سقط وفشل تبعته جميع فعاليات وإمكانات البلد بالسقوط في الهاوية تباعاً، ولا ولن يوجد أي بديلٍ مادّي يمكن أن يعوّض خسائره الباهظة التكلفة! والعكس أيضاً صحيح؛ إنْ تقدّم وارتقى هذا القطاع، وسُخّرتْ لأجله أغلب الموارد، وأُفسحتْ أمامه السبل كافّة، رأيتَ نتائجه قادرةً تماماً على تحقيق أسباب النهضة والتقدّم لكل مقدّرات البلاد، وإنّي على يقينٍ تام أنَّ الأمثلة للحالة الأخيرة على أرض الواقع لدى القارئ الكريم شاهدة؛ ممثلةً في ألمانيا واليابان كنماذج عتيقة، وكوريا الجنوبية كنماذج حديثة.

وإنّ المرء ليرجو ألا يأتي اليوم الذي تصبح فيه بلادنا ”مثالاً” على الحالة الأولى! فعلى الرغم من كل ذلك الحشد الهائل للأموال، الذي تخطّى خلال عقدٍ مضى سقف التريليون ريال! إلا أنَّ النتائج التنموية بلغة الأرقام لم ترتقِ كما تبيّن في الجزء الأول من هذا المقال حتى إلى ربْع المأمول. أضفْ إليها ما كشفته وتكشفه وسائل الإعلام المحلية بصورةٍ شبه يومية من إشكالاتٍ وأزماتٍ، تتجاوز بك في أحيانٍ كثيرة حدود الصدمة من هولِ وقْعها، امتدتْ بآثارها إلى تفاصيل قطاع التعليم لدينا كافّة.

بدءاً من حالة المدارس، خاصةً في المناطق البعيدة عن المدن، ولا يعني ذلك خلو المدن من الأزمات ذاتها، مروراً بتواضع البيئة اللازمة للتعلّم بالنسبة للطلاب والطالبات على حدٍ سواء، انتقالاً إلى محور ارتكاز العملية التربوية والتعليمية ممثلةً في المعلم والمعلمة، وما تفصح به وسائل الإعلام المرئية والمقروءة عن حالتيهما التي تنحدر في بعضها إلى حدود البؤس، ما يؤكّد لك قياساً على التراكمات النهائية لكل تلك الحالات، أنْ قطاع التعليم لدينا يعاني أزمةً من العيار الثقيل الوزن جداً، يمكنك أن تضع في سلّتها الموجعة كل ما تتخيّل من مسببات إلا ”نقْص الأموال”.

إنّ نظرةً مقارنة إلى تجربة التربية والتعليم في ثلاث دولٍ فقط كألمانيا واليابان وأخيراً كوريا الجنوبية، والاهتمام الرفيع المستوى بهذا القطاع الحيوي في تلك البلدان، دفع بها لتأسيس مجالس عليا تضم نخب الفكر والعلم فيها، مُنحتْ الاستقلالية التامّة، والصلاحيات الواسعة التي تتجاوز سقف السلطة التنفيذية للحكومة لإقرار ما تراه مناسباً لقطاع التعليم، ولم تقف عند هذا الحد فحسب، بل فرضتْ على بلدانها مهمّة مراجعة التشريعات والأنظمة والإجراءات والمناهج التعليمية كافّة كل خمسة أعوام، والعمل في ضوء نتائج تلك المراجعة على تغيير وتطوير ما تقرره تلك العملية مهما كانتْ العوائق.

التفتتْ الولايات المتحدة الأمريكية لتلك التجارب بعين الاهتمام، وروح المنافسة التي لا تهدأ، فعلى الرغم من التقدّم الحضاري الكبير الذي حققته، اكتشفتْ وفقاً لنتائج مقارنة أنظمتها التربوية والتعليمية مع تلك البلدان، أنّها في موقعٍ متأخّر! وأنَّها إنْ لم تُحدث إصلاحاتٍ عميقة على أنظمتها ومناهجها المرتبطة بقطاع التعليم، ستجد نفسها مستقبلاً خارج دائرة المنافسة العالمية تماماً، ما دفع بها خلال العقد الأخير لانتهاج ذات الآليات المعمول بها لدى منافسيها، فما بال بلدانٍ أخرى يبعد واقع التعليم فيها عشرات السنين عما أتحدّث عنه أعلاه؟!

إنّه لمخجلٌ جداً أن تظل تلك المشاكل والأزمات المتغلغلة في قطاع التعليم لدينا دون حلولٍ جذرية، وإنّه لمخيفٌ جداً أن تراها تتفاقم عاماً بعد عام! ماذا لدى وزارة التربية والتعليم من منجزاتٍ غير افتخارها سنوياً بارتفاع نسب تملّك مباني مدارسها؟! ماذا قامتْ به لأجل ما يعانيه نحو 600 ألف معلّم ومعلّمة؟ وماذا قامتْ به لأجل أكثر من 5.3 مليون طالب وطالبة؟ وألف ماذا وكيف ومتى؟

إنّ أي أعذارٍ تُرمى بأسبابها على أجهزةٍ أخرى كوزارة المالية أو وزارة الخدمة المدنية أو وزارة النقل أو غيرها، أؤكد أنها مهما بلغتْ من الحجّة، لنْ تُعفي أبناء بلادنا ومجتمعنا مستقبلاً من بلاء العواقب الوخيمة لاستمرار تلك الأزمات! هل يعقل إزاء كل ما تتمتع به بلادنا من إمكاناتٍ مادية هائلة، أنْ ترى آلاف المدارس متصدّعة الجدران؟ وأنْ ترى المعلّمين والمعلّمات يحاربون ظروفهم العملية والمعيشية أكثر من حربهم المقدّسة لأجل تربية وتعليم أجيال المستقبل؟ وأنْ ترى مشكلة نحو تسعة آلاف معلمة بديلة دون حلٍ لعدّة سنوات؟ وأنْ ترى المعلمات تتناثر جثثهن على الطرق بين منازلهن البعيدة بمسافاتٍ شاسعة عن مدارسهن، في مشاهد أصبحتْ – بكل أسفٍ شديد – معتادةً على صفحات وشاشات الإعلام؟ وأنْ ترى الكوادر الإدارية المساندة للعملية التعليمية تحارب هي أيضاً في معارك أخرى لا تقل مساوئها عما يواجهه المعلمون والمعلمات؟ وبقية سيلٍ جارفٍ من مئات الأسئلة لا أقول الحائرة بل المتجاهلة والمنسيّة تماماً من ذهنية القيادات في قطاع التربية والتعليم! وصل بها الحال كما كشف عنه البرنامج الشهير ”الساعة الثامنة” على قناة MBC قبل أمس الإثنين، أنْ تباع دواليب ملفات الوزارة بما فيها من وثائق رسمية للمعلمين والمعلمات في ”الحراج”!!

لقد أثبتتْ الحالة المتردية التي وصل إليها قطاع التعليم لدينا ضرورة اتخاذ قراراتٍ عليا على وجه السرعة القصوى، وأنْ نسترشد بما عملتْ به البلدان المتقدمة في هذا المجال، مع الأخذ بعين الاعتبار السمات والخصائص الحضارية لمجتمعنا العربي المسلم. لستُ هنا لأذكر ما الحلول التفصيلية لأجل انتشال قطاع التعليم لدينا من قاعه الراهن، ولو كان ذلك ممكناً في مقالٍ واحد، لما كانتْ مشكلتنا التعليمية على هذا القدر من الخطورة! إنّها مهمةٌ وطنية يجب أن توكل إلى نخبةٍ مستقلة من العلماء والمفكرين الثقاة، وإنْ تطلّب الأمر الاستعانة بخبراء مؤهلين من خارج الحدود يجب ألا نتردد لحظةً واحدة.

يجب الإقرار بأنَّ رسالة الاستثمار والبناء والنهضة والحضارة في ”الإنسان السعودي”، مقتضاها الاستراتيجي أكبر بكثيرٍ من مجرّد وزارةٍ واحدة! وأنّها مهمة عليا يتطلّب النجاح في الوفاء بها على أكمل وجه، ودون التورّط في مغامراتٍ غير محسوبة العواقب، أؤكد أنّها مهمّة تستحق منّا جميعاً تسخير الإمكانات والخبرات كافّة، وليس فقط تريليونات الريالات! وأنْ ينحصر دور وزارة التربية والتعليم في الالتزام بتنفيذ ما يقرره فريق العمل المقترح ”تجربة الدول المتقدمّة المذكورة أعلاه”.

هل سنرى خروجاً قريباً من الحلقة المفرغة التي ندور فيها الآن؟ هذه أمنية 20 مليون سعودي وسعودية!

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/09/11/article_784880.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.