مَن هو نبْض السوق المالية؟

إنّه المستثمر ”المتعامل” بكل اختصار! وهو المحرّك الرئيس بقراراته شراءً وبيعاً للأصول المدرجة للتداول في أيّ سوق، وتتحدد تلك القرارات من قبله، بناءً على الكثير من المحددات المعلومة لدى الكثير من المستثمرين، سآتي على ذكر أهمّها في الجزء الأخير من المقال.

مناسبة الحديث هنا، أتتْ من حالة الهلع والخوف التي عمّتْ أسواق منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدّمتها السوق المالية السعودية، التي كابدتْ خلال الأسبوعين الفائتين على مستوى قيمتها الرأسمالية، من جرّاء تذبذباتها بنحو 9 في المائة أكثر من 140 مليار ريال! كان العنوان الرئيس لكل تلك التطورات الضربة العسكرية المحتملة لسورية، نتيجةً للجريمة النكراء التي ارتكبها النظام الحاكم فيها.

لا غرابة أن تشهد أسواق المال الخليجية بما فيها السوق المالية السعودية مثل تلك التذبذبات، قياساً على تدنّي كفاءتها كونها أسواقاً تقبع في أدنى درجات تطور الأسواق، وهو ما يجعلها مكشوفةً أكثر من غيرها على أية مخاطر أو تطورات سلبية محيطة، ترى ردّة فعلها العكسية أكثر مبالغةَ مقارنةً بغيرها من الأسواق الأكثر تقدّماً.

لعل من أبرز عناصر الفروقات بين هذين المستويين من الأسواق ”المتقدمة والناشئة”، نوعية المستثمرين في كل منهما، إذ تعاني الأسواق الناشئة ضحالتها، وقلّة الخيارات الاستثمارية، وارتفاع نسبة الأفراد كمتعاملين على حساب المستثمرين المؤسساتيين، ولهذا دلالاته البالغة الأهمية. لعل من أبرز تلك الدلالات تزايد تأثير المستثمر الفرد في مجال تحديد اتجاهات تلك الأسواق الناشئة، كانعكاس لقراراتهم الاستثمارية ذات الوزن النسبي الأعلى.

من هنا؛ رأيت أنَّ تلك الشريحة الواسعة من الأفراد ذوي الخبرة والدراية الأقل مقارنة بالمؤسسات؛ هي النبْض الحقيقي والأكثر تأثيراً في السوق الناشئة! وعليه إذا أردنا الحديث حول المبالغة في ردّة الفعل كما تبيّنه تذبذبات السوق، فلا بد من أن يوجّه الحديث بصورة أكثر تركيزا على تلك الشريحة.

وقبل أن أعود لنقطة البداية المتمثلة في محددات اتخاذ القرارات الاستثمارية، لا بد من الإشارة إلى جانبين رئيسين: الجانب الأول: يتعلّق بعامل الخوف والقلق الطاغي على مشاعر وتوقعات المستثمرين، أن لا أحد يستنكره كونه ردة فعل بشرية طبيعية إزاء توقعات الحروب وانفجار الأزمات! المأمول هنا محصورٌ في المطالبة بوضع الأمور في نصابها الحقيقي دون مبالغة ودون تهوين لها في الوقت ذاته. فالمبالغة وتهويل الآثار المتوقعة في أحيانٍ كثيرة قد يفوّتان عليك مكاسب أنت أحق بها، أو قد يعرّضك لخسائر فادحة أنت في غنى تام عنها. والحديث ذاته ينطبق على التهوين والتقليل من الآثار المحتملة لأي من تلك المخاطر، فقد يعرّضك لخسائر فادحة جداً كونك لم تأخذها بعين الاعتبار. والمطلوب في مثل هذه الظروف غير المستقرّة؛ أن يكون المرء موضوعياً وعقلانياً قدر المستطاع، بوضع المتغيرات وآثارها المحتملة في أنصبتها المقبولة دون زيادة أو نقصان، وهو ما سآتي عليه لاحقاً.

الجانب الثاني: يتعلّق بالأزمة السورية، واحتمالات تعرّضها لضربةٍ عسكرية، وكما تم إعلانه حتى الآن أنّها ستكون خاطفة وسريعة، الهدف منها شلّ قوى الحزب الحاكم الجائر في سورية، وهذا في رأيي ــــ في الأجلين المتوسط والبعيد ــــ أعدّه أمراً إيجابياً، كونه سيمهد لمرحلة أقل خطراً من المرحلة الراهنة، ويؤمل معها أن يُزاح تماماً هذا الحزب الجائر، وأن تعود سورية إلى شعبها الجريح جداً عزيزةً وحرّة، وتعود إليها أشعة السلام والاستقرار أفضل بكثيرٍ من تلك العقود المظلمة التي سُجن فيها الشعب السوري الأبي ظلماً وعدواناً. إذاً يؤمل فيما سيلي تلك الضربة العسكرية حدوث انقلاب إيجابي لمصلحة القوى الوطنية الحرّة على حساب قوى الشر الحاكمة.

وفق التصور المشار إليه أعلاه، الذي يعكس عدم الاستقرار في المنطقة ”كمرحلة غير مستمرة” في الأجل القصير، واحتمال بداية نهاية تلك المرحلة مع أوّل الضربات العسكرية المحتملة على سورية! تدريجياً تبدو الصورة مرجحة إلى الجانب الإيجابي أكثر من كونه سلبياً، وما عليك في هذه النقطة إلا ربطها بالعوامل الأساسية التقليدية المعتاد اتخاذ أية قرارات بناءً عليها.

لعل من أبرز تلك العوامل الأساسية هنا في إطارها الواسع: أهمية الأخذ في عين الاعتبار، أداء الاقتصاد الكلي ”النمو الحقيقي للاقتصاد، النمو الحقيقي للقطاعات غير النفطية، نمو السيولة المحلية، التضخم، معدلات الفائدة، الائتمان المحلي، ميزان المدفوعات…”، التي لا شك أنها ستترك آثارها في نهاية المطاف في قيمة الأوراق المالية المستهدفة؛ وذلك عبر امتدادات تلك الآثار النسبية على مختلف نشاطات أو قطاعات الاقتصاد الكلي المختلفة بما فيها القطاع الذي تنتمي إليه هذه الشركة. إنه تقييم يأخذ بعين الاعتبار الفرص من جانب، ومن جانبٍ آخر، يهتم بالمخاطر القائمة سواءً على المستوى الاقتصادي الكلي، أو على القطاع أو النشاط وصولاً إلى تأثر نشاط وأعمال الشركة، مع عدم إغفال درجات التركز والمنافسة في ذلك القطاع بالنسبة للشركة وحصتها السوقية ومدى قوة منافسيها، ودرجة اعتمادها على الأسواق المحلية أو الأسواق الإقليمية أو الأسواق العالمية، والذي سينعكس بطبيعة الحال في محصلته النهائية على قيمة سهمها المدرج في السوق المالية.

أمّا في الإطار الضيّق، فتقتضي بالضرورة أن يحتاط المستثمر بدراسة وفهم التفاعلات والعلاقات القائمة داخل ومع القطاعات المختلفة للاقتصاد الكلي، والتعمق من ثم تحليلاً في صلب الأسواق والصناعات التي تعمل فيها الشركات المساهمة المستهدفة، ومن ثم إسقاط نتائج دراسته النهائية على المركز المالي للشركة، ومحاولة الربط بينها وبين ما تفصح عنه نشاطات ونتائج الشركة المستهدفة من خلال قوائمها المالية التي توضح مركزها المالي ”قائمة المركز المالي”، وصافي دخلها المتحقق من أدائها التشغيلي وأي دخل آخر تحقق لها من أنشطة أخرى غير نشاطها الأساسي ”قائمة الدخل”، وأخيراً وليس آخراً التعرّف على كيفية تعامل إدارة الشركة مع النقدية المتوافرة لديها سواءً كانت تدفقات داخلة أم خارجة ”قائمة التدفقات النقدية”.

هذا بدوره سيخدم المستثمر في التعرف بصورةٍ دقيقة على الفرص الحقيقية، إن وجدت، حتى إنْ وجدت تحت ظروفٍ غير مستقرة كما هي الأجواء الآن في منطقة الشرق الأوسط، التي بدورها ستعزز من قيمة الأوراق المالية التي يستهدفها، كما أنها ستتيح له التعرّف على المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الشركة المساهمة المستهدفة، وبناء عليه يمكن اتخاذ القرار بالاستثمار من عدمه، وكيف ومتى سيتم اتخاذ القرار بالشراء إذا كان القرار إيجابياً بالاستثمار، وما المدّة الزمنية التي سيحتفظ خلالها بأسهم تلك الشركة في محفظته الاستثمارية. وللحديث بقية.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/09/07/article_784020.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أسواق مالية, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.