علاج الطفح لا يشفي سرطان العمق

عبر مراقبة ومتابعة لصيقة لتطورات سوق العمل – على أقل تقدير بالنسبة لي منذ 1995م، لم تشهد السوق خلال ثلاثة عقود مضتْ ما شهدته وتشهده خلال الفترة 2011-2013م على كل مستوياتها؛ سواءً على مستوى القرارات أو الإجراءات التنظيمية، أو على مستوى التطورات والتغيرات وردّات فعْل مختلف النشاطات الاقتصادية، وتحديداً في أروقة القطاع الخاص.

بدأتْ وزارة العمل نهاية 2010م ومطلع 2011م بالإعلان عن برامجها وقراراتها المزمع تدشينها على السوق، مستهدفةً من كل ذلك – حسب تصريحاتها المتعاقبة – تحقيق عدة أهداف من أهمّها:

(1) الحدّ من تنامي معدلات البطالة بين السعوديين والسعوديات، عبر الضغط على منشآت القطاع الخاص، وإلزامها بسعودة وظائفها المكتظة بالعمالة الوافدة.

(2) الحدّ من عمليات الاستقدام، والعمل على تقنينه، والتضييق على نوافذه إلى الحدود التي لا تلحق الضرر بالاحتياجات الماسّة للاستقدام لأجل تنفيذ المشروعات الحكومية.

(3) الوصول من خلال الهدفين السابقين للحدّ من التحويلات المالية للعمالة الوافدة للخارج (التسرّب المالي).

تمّت فلترة وتحليل جميع تلك التصريحات والقرارات في وقتها، وبدا واضحاً أن وزارة العمل تريد تحقيق نتائج سريعةً جداً، كما بدا واضحاً من خلال تعاطيها المتسارع مع إشكالات سوق العمل المحليّة أنّها مهتمّةً جداً بكمِّ الإنجازات أكثر منه نوعياً، والمستوى الأخير ”نوعياً” بطبيعة الحال، وقياساً على طول أمد التشوهات الكامنة في السوق، وعمْقها الشديد فيها كامتدادٍ للتشوهات الأكبر على مستوى الاقتصاد الكلي، أؤكد أنّه لا يُمكن أن يُحلّ في أقل من خمس سنواتٍ على أقل تقدير! وهو ما أقرّتْ به ”استراتيجية التوظيف الوطنية” المقرّة من المقام السامي قبل أنْ تُحفظ في أرشيف وزارة العمل، متجاهلةً إياها لتبدأ في مشوارها الراهن عبر عشرات البرامج والقرارات المفصولة تماماً عن تلك الاستراتيجية.

اندفعتْ وزارة العمل سريعاً في توجهاتها التي أعلنتها بعيداً عن ”استراتيجية التوظيف الوطنية”، وبعيداً عن التشوهات العميقة في جسد الاقتصاد الوطني؛ بدءاً من ضآلة تنوّعه الإنتاجي ”الصناعات التحويلية الأخرى غير تكرير الزيت 11.9 في المائة، عام 2012م”، وزيادة اعتماده على النفط كمصدرٍ شبه وحيد للدخل ”نسبة الإيرادات النفطية إلى إجمالي إيرادات الحكومة 92 في المائة، عام 2012م، نسبة الصادرات النفطية إلى إجمالي الصادرات السعودية 87 في المائة، عام 2012م”، وزيادةً مفرطة في تغلغل نشاطات التستر التجاري والعمالة الوافدة، وما نتج عنه من اتساع دائرة الوظائف المتدنية المهارات إلى أدنى درجاتها، قابله زيادة الحاجة للاستيراد من الخارج ”ارتفعتْ الواردات إلى 583.5 مليار ريال بنهاية 2012م”، خاصةً الواردات الصينية التي كانت تمثل البضائع المقلّدة والمغشوشة منها الأغلب ”ارتفعتْ نسبتها من الواردات السعودية من نحو 5 في المائة بنهاية 2002م إلى نحو 13 في المائة بنهاية 2012م”، التي تلبّي – بغض النظر عن أضرارها الجسيمة – برخص أسعارها، متطلبات الاستهلاك المحلي وفق حدود دخل الأفراد المتدنّي في الأصل.

الشاهد الرئيس من الحديث أعلاه؛ أنّ وزارة العمل وقعتْ فيما حُذّرتْ منه! فمعالجة وإصلاح تشوهات سوق العمل المحلية لا يمكن أن يُكتب لها النجاح على الإطلاق، دون معالجة وإصلاح التشوهات الكامنة في مختلف أصقاع الاقتصاد الوطني بأكمله! تلك هي المعادلة الرئيسة التي غابتْ تماماً بكل أسف عن رؤية وزارة العمل، وبكل أسفٍ أيضاً أنّها غابت كذلك على أغلب إنْ لم يكن كل الأجهزة الاقتصادية المحلية! ودليل ذلك أنّ اقتصادنا الوطني لم يحقق أيّ تقدمٍ ملموس على هذا الطريق طوال العقود الأخيرة.

السؤال الآن: ماذا يعني لنا كل ما أعلنتْ وتعلن عنه وزارة العمل من فترةٍ إلى أخرى عن إنجازاتٍ لم يسبق لها أنْ تحققّت؟ وهل المؤدّى النهائي من كل ذلك أنَّ وزارة العمل أنجزتْ أم لم تُنجز؟ الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها – أقولها صادقاً دون مبالغة – ستترك صدمةً عظمى للكثير ممن ظنّ أو ما زال يظنُّ أن الوزارة حققتْ منجزات، والحال كذلك بالنسبة لمن أعتقد على العكس أنّها أضرّتْ أكثر مما أنجزتْ، إذ سيجد أنْ حجم الأضرار أكبر بكثيرٍ مما وصلتْ إليه توقعاته!

سأستعرض بعضها أو قل ما يرتبط بصورةٍ أساسية بأهداف الوزارة الثلاثة المشار إليها، وفي المقال القادم سأتوسّع في تحليل وتفصيل الإجابات عن السؤالين أعلاه، بالتركيز على ما هو أهم وأخطر مدعوماً بالأرقام الرسميّة التي يُنتظر من وزارة العمل أن تقدّم تفسيراً دقيقاً ومقنعاً لها! ذلك أنّ استمرار ما قامتْ وتقوم به قد يتحوّل إلى مخاطر حقيقية تهدد استقرار الاقتصاد الوطني، مع التأكيد على أنّ بعضاً منها قد تحوّل فعلياً إلى مخالب تنهش في جسد اقتصادنا الوطني ومقدرات مجتمعه!

أبدأ من الأسهل هنا؛ هل تحققتْ على أقل تقدير أي من تلك الأهداف الثلاثة أعلاه؟!

(1) بالنسبة لمعدّل البطالة، فلا يزال في ذروة مستوياته، إنْ لم يكن مستمراً في تصاعده! فحتى نهاية عام 2012م ووفقاً للإحصاءات التي نشرتها مؤسسة النقد في تقريرها السنوي والمستندة إلى الإحصاءات الرسميّة لوزارة العمل بلغ معدّل البطالة بين السعوديين 39.3 في المائة ”للذكور 15.3 في المائة، للإناث 64.8 في المائة”، مقارنةً بمعدل 39.7 في المائة لعام 2011م ”للذكور 10.7 في المائة، للإناث 71.3 في المائة”.

(2) بالنسبة للاستقدم، فقد ارتفع خلال 2012م بنحو 30.4 في المائة إلى 2.62 مليون تأشيرة، وارتفع خلال 2011م بنحو 14.4 في المائة إلى مليوني تأشيرة، ليصل مجموع العامين لأكثر من 4.63 مليون تأشيرة، وهو ما يُشكّل نحو 26 في المائة من إجمالي التأشيرات الممنوحة خلال عشر سنوات مضت.

(3) بالنسبة للتحويلات المالية، فمن الطبيعي جداً قياساً على تنامي إصدار التأشيرات وزيادة الاستقدام أنْ تواصل نموها المطرد، ويكفي القول إنّها ظلّتْ تسجّل أرقاماً قياسية طوال خمسة أشهرٍ مضتْ من العام الجاري، حيث بلغتْ لأول مرة كرقمٍ شهري أكثر من 14.7 مليار ريال بنهاية تموز (يوليو) 2013م! ويُقدّر وفقاً لما تمَّ تحويله خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري أن تصل بنهاية عام 2013م إلى نحو 148.8 مليار ريال، بمعدل نموٍ سنوي يناهز 19 في المائة مقارنة بحجمها في 2011م. اقرأ الأهداف ثم قارنها مع المتحقق!

في المقال القادم سأسلّط الضوء على ما هو أهم وأخطر، وما يجب تداركه أو تدارك ما بقي لدينا من فرص إنْ كان ما زال هناك أيّ منها.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/08/31/article_782232.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.