كيف نستثمر حرية الكلمة؟

إذا أردتَ أن تعرف هل الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح أمْ لا، وهل تقوم الأجهزة الرسميّة بعملها بصورةٍ سليمة أم لا، وهل التزمتْ فعلياً بالمهام والمسؤوليات المنوطة بها رسميّاً، إضافةً إلى الخطط الاستراتيجية التي خطّتها هي قبل أن يخطّها غيرها لها، أقول إذا أردتّ معرفة كل ذلك وأكثر منه؛ ليس عليك إلا البدء بفحص مؤشرات أداء الاقتصاد الكلي كخطوةٍ أولى، ثم المقارنة بين المتحقق فعلياً والمستهدف، وأخيراً مقارنة إنجازات وأعمال كل جهازٍ من تلك الأجهزة مع ”مسطرة” المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتق كلِ منها.

النتيجة ستظهر لك واضحة وضوح الشمس في كبد السماء، وفي رأيي أنّ هذه المهمّة أصبحتْ سهلة التحقق في ظل توافر أغلب البيانات والمؤشرات اللازمة، يظل الأمر الأهم من وجهة نظري؛ وماذا بعد معرفة النتيجة؟! خاصةً إذا كانتْ هذه النتيجة ”مخيّبة” لا تلبّي حتى عُشْر متطلبات الاقتصاد والمجتمع، ويزداد إلحاح المرء لمعرفة ما بعد معرفة تلك النتيجة السلبية كلّما زاد أمدها الزمني، بمعنى إذا كان هذا الفشل قد مضى عليه دهر من الزمن ليس بالقليل، الخاسر الوحيد الذي يدفع ثمنه المكلّف جداً اقتصادنا ومجتمعنا.

الحق يقال؛ إنّ هذا هو الهدف الرئيس – إنْ لم يكن هو الوحيد – من عملية التقييم والقياس لأداء كل جهازٍ من الأجهزة الحكومية! فماذا سيُفيدنا أنْ نكتشف قصور هذا الجهاز أو غيره من الأجهزة إنْ لم يتلُ ذلك محاسبة ومساءلة على التقصير؟ ماذا سيُفيدنا أنْ نتأكّد من عدم أهلية هذا المسؤول لتولّي مهام ومسؤوليات منصبه ”التكليفي” لا ”التشريفي”، ثم لا نراه مودّعاً بعد تقصيره؟

لقد تقدّمنا كثيراً في بلادنا العزيزة في صعود سلّم حرية الإعلام خلال عقدٍ مضى، وبحسب رأيي الشخصي أننا تجاوزنا كثيراً في هذا الاتجاه دولاً مجاورة، حتى أنَّ كثيراً من الطروحات الإعلامية الجريئة والناقدة محلياً لا يمكن أنْ ترى حتى عُشرها في دول الجوار! وهذا أمرٌ يحسب إيجاباً لقيادة هذه البلاد العزيزة، التي ارتأتْ أهمية ترسيخ الكلمة الحرّة والمسؤولة في مختلف أنسجة حياتنا العامّة، دعْ عنك المجال الإعلامي السعودي بمختلف وسائله وأدواته المتاحة. لماذا كل هذا؟!

الخطوة الأهم بعد كل ما تقدّم ذكره، والتي لم نجنِ ثمارها اليانعة حتى تاريخه إلا ما ندر؛ هو ماذا بعد اكتشافنا للحقائق؟ أو تأكّد تلك الحقائق ومؤشرات الأداء؟ لا أقول إنّ قيادتنا – أيّدها الله – أتاحتْ حق الرد والتفسير للأجهزة الحكومية المعنيّة لكل ما يُنشر أو يُبث إعلامياً حول أيّ أمرٍ يدخل في صلب مهامها ومسؤولياتها! بل لقد ألزمتها نظامياً بهذا الأمر، ولم تترك لها مساحة من الخيارات فيما يخصّه، بل لقد وصل التوجيه السامي إلى إمكانية الملاحقة القانونية، وإيقاع العقوبات على من يتورّط في كتابة أو قول ما يتنافى مع الحقائق، وهو ما نصّتْ عليه الأنظمة المعمول بها في هذا الخصوص.

إنّها منظومة كاملة واجبة الحضور دون أدنى شك، تقوم في ضوئها عملياً لا نظرياً ”الحريّة الإعلامية المسؤولة”، التي تحمي مقدّرات ومكتسبات بلادنا ومجتمعنا من العبث والفوضى والمخاطر. لكن في الوقت ذاته؛ لا بد من وضْع الحجر الأخير في بناء هذه المنظومة الحيوية، الحجر الذي لا يقل أهمية عن مكونات تلك المنظومة، وأعني به هنا الإجابة على السؤال الجوهري المذكور أعلاه ”وماذا بعد؟” تأكّد حقائق التقييم والقياس لأداء أي من تلك الأجهزة المعنيّة بالمتغيرات والتطورات محل النقاش؟!

نتفقُ تماماً على انتهاء دور الإعلام بكل وسائله وأدواته عند حدود كشْف الحقائق، وإثباتها بما توافر لديه قدْر الإمكان من أدّلة وقرائن وبيانات ومعلومات، وأنْ ليس ضمن مسؤولياته على الإطلاق فعْل أي شيء يلي تلك المهمّة! لكن يأتي هنا دور الأجهزة المعنيّة باتخاذ ما يلزم للإصلاح والمعالجة، وإنْ تطلّب الأمر المحاسبة والمساءلة والعقاب! هنا تكتمل دورة ”حرّية” الكلمة المسؤولة والجادة، وهنا تتفتح آفاق الإصلاح والمعالجة قبل تفاقم الأمور، وهنا تستدرك الانحرافات قبل أن تتكاثر أو تخرج عن السيطرة، وهنا يتغذّى الوطن بثمار الإنذار المبكر قبل أن يتغذّى به خطر الفساد والتقصير عن أداء الواجب.

أثبتتْ التجارب من حولنا أن المنظومة المشار إليها أعلاه دون الخطوة الأخيرة، أنَّ ”العبث” أعلى كعباً من ”النظام”، وأنّ ”الاحتقان” أكبر وأوسع دائرةً من ”الإصلاح” المفضي إلى تخليص الوطن من مشكلاته الكأداء، وليس مجرد التنفيس الاجتماعي. أؤكّد أنَّ التجارب أثبتتْ أنّ دحرجة حجر صغير إلى الهاوية أقل جهداً وتكلفة من دحرجة حجر تحوّل بسبب التأخّر عن دحرجته إلى جبلٍ عملاق!.

إذاً، لا بد من استثمار منتجات ومخرجات الإعلام المسؤول والجاد، وتوظيفها جيداً في صلْب القرارات والإجراءات اللاحقة, ولا بد من تضمينها في مختلف نشاطات حياتنا العامّة والخاصّة، عوضاً عن تركها ”تحترق” كمداً في النفوس، وأنْ تجد لها مخرجاً بعد ضيق إلى سطح مفاصل حياتنا كافّة.

إنّها الخطوة الأخيرة والأهم في سلسلة الجهود العظيمة التي قطعناها طوال السنوات الأخيرة. كم هو محرجٌ جداً أنْ يأتيك قائل: حدث لديكم في السعودية خلال العقد الأخير قفزةً نوعية، لم يسبق لها مثيل في مجال حرّية الكلمة والإعلام! لكن السؤال الأهم؛ هل نتج عنها أيّ نتائج ملموسة على أرْض الواقع؟ هل استجابت الأجهزة الحكومية لأغلب ما تمَّ طرْحه إعلامياً؟ هل نتج عن تلك الآراء والبرامج الجريئة أي قراراتٍ تمسُّ ما اكتشفتَه وحذّرتْ منه؟ هل كان لها نتائج مفيدة أمْ أنّها بقيت مجرّد ”فرقعات” إعلامية أكثر من أيّ أمرٍ آخر؟!

إنني أتطلّع بكل أملٍ ورجاء وغيري من ملايين السعوديين والسعوديات، إلى أنْ نلمس نتائج كل – أو أغلب على أقل تقدير- ما يُطرح إعلامياً على أرْض الواقع، أسوةً بما نلمسه إذا تمّتْ محاسبة من يخالف أنظمة النشر والإعلام، وهو ما أصبحنا قريبين جداً منه! فهل نرى بصيصاً لذلك النور؟ وإنّه الخير والصلاح والتقدّم لهذه البلاد العزيزة إن حدث.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/08/28/article_781488.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.