حانتْ ساعة انفجار فقّاعة العقار

أثبتُّ في مقالاتٍ سابقة نُشرتْ هنا في صحيفة ”الاقتصادية”، أنّ أسعار المساكن في السعودية تعتبر من أغلى الأسعار على مستوى العالم، إنْ لم تكن الأغلى على الإطلاق. تمَّ إثبات ذلك عن طريق المؤشرات المعتبرة دولياً في تقييم أسعار المساكن، لعل من أهمّها المؤشرين التاليين: المؤشر الأول ـــ مضاعف أسعار المساكن إلى الدخل المتاح للفرد، كمقياس يستهدف التعرّف على قدرة الفرد على تحمّل التكاليف، حيث يبيّن عدد السنوات التي يتطلبها الفرد لتملّك مسكنه وفق مستوى الأسعار السائدة مقارنةً بمستوى دخله دون اللجوء إلى الاقتراض.

كشف هذا المؤشر أنَّ المواطن السعودي سيتطلّب لامتلاك مسكنه أكثر من 26 عاماً، وفقاً لمتوسط دخله الراهن ”4800 ريال شهرياً” بافتراض عدم إنفاقه على أيّ غرضٍ آخر، وبناءً على مستويات الأسعار الراهنة وافتراض عدم زيادتها، وكشفتْ المقارنة ببقية بلدان العالم بما فيها هونج كونج ”الأغلى عالمياً بالأسعار المطلقة” أنّ المعدّل المسجّل ”26 عاماً” هو الأعلى على مستوى العالم دون أي منافسة من أي بلدٍ آخر!

أمّا على أرْض الواقع؛ فإن المؤشر يكشف عن فواجع لم يسبق أنْ حدثتْ في أي بلدٍ حول العالم، ولا حتى في التاريخ البشري! إذْ من المستحيل أنْ يُنفق الفرد كامل دخله المتحقق فقط على امتلاك ”مسكن العمر”، ومن المستحيل أيضاً أن تظل أسعار العقار ثابتة دون صعود في ظل استمرار الأسباب ”لمعرفتها أرجع لمقال: حل أزمة الإسكان.. اتركوه لهم، الاقتصادية عدد 7166” التي أدّتْ لصعوده المجنون، ولتتأكد من جنون ارتفاعه يكفي القول إنّ الأسعار سجّلت خلال 2007 ـــ 2012 ارتفاعاً تراكمياً بمتوسط سنوي 24 في المائة، تجاوز 3.4 أضعاف متوسط النمو الحقيقي للاقتصاد الوطني للفترة نفسها، وأنَّ هذا الارتفاع الخارج عن المقبول تجاوز أيضاً خمسة أضعاف نمو أجور الأفراد! خالقاً واحدةً من أكبر فجوات التضخم المقلقة إلى أبعد الحدود!

وعليه، إذا ما أردتْ أن تتنبأ بعدد السنوات اللازمة للمواطن لأجل امتلاك مسكنه وفقاً للمعطيات المذكورة أعلاه ــــ إنْ قُدّر لها الاستمرار ـــ فإنّ مهمّة المواطن السعودي في هذا المقام تعد ضرْباً من المستحيلات التي لا يمكن أن تتحقق على الإطلاق، وتستمر تلك الحالة المستحيلة حتى مع لجوئه للاقتراض كما قد يظنُّ البعض عبثاً! إذْ إنّ مستوى دخل المواطن الراهن ”4800 ريال شهرياً” لن يمكّنه بأي حالٍ من الأحوال من الاقتراض لامتلاك مسكنه!

على الرغم من أنّ المؤشر الأول المشار إليه أعلاه كافٍ جداً لكشف النقاب عن حجم الكارثة التي نعانيها، إلا أنّه لا بد من ذكْر المؤشر الثاني لتتأكّد لدينا الوقائع، ولإلجام الأصوات التي تُنكر تلك الكارثة كونها المستفيد الوحيد من تفاقمها على حساب إلحاق أكبر الضرر بالاقتصاد الوطني وبالمجتمع دون أدنى اكتراث.

إذْ يبيّن المؤشر الثاني ــــ مضاعف السعر إلى الإيجار، المشابه لمكرر الأرباح في تعاملات سوق الأسهم، ويفترض هذا المؤشر أن القيود على الإيجارات أقوى منها على أسعار الأصل العقاري ”لضعف نمو دخل الأفراد المستأجرين من جهة، ولوجود نوع من الرقابة على الإيجارات”، بمعنى أنَّ قابلية ارتفاع القيمة السوقية للعقار أكبر من الإيجارات، على أنّ المالك في منظور زمني أطول كعامين أو ثلاثة من ارتفاع القيمة السوقية لعقاره، يمكنه أن يقرر رفع قيمة الإيجار ولكن بنسبة ستكون أقل من نسبة ارتفاع أصله العقاري المملوك في الأغلب. وهذا ما حدث فعلياً على أرْض واقع سوق الإسكان محلياً، ففي الوقت الذي سجّلتْ خلاله أسعار العقارات ارتفاعاً تجاوز 143 في المائة خلال الفترة 2007 ــــ 2012، سجّلتْ إيجارات المساكن خلال الفترة نفسها ارتفاعاً وصل إلى 86.7 في المائة!

إنّه مؤشر يعكس رغبة ملاك العقارات المؤجرة في سرعة استرداد تكاليف بنائهم لتلك العقارات من خلال الإيجارات التي يستقطعونها من المستأجرين، وهذا بدوره يقودنا إلى صلب الكارثة المحيطة بالدخل المتاح للمواطن، فعدا أنّ حالته تجاه إمكانية امتلاكه لمسكنه أصبحتْ في حكم المستحيل تماماً كما تقدّم أعلاه، ها هو يدفع الثمن مضاعفاً من دخله المتدني في الأصل، ففي الوقت الذي كان فيه من دخله يحوم حول ثلاثة آلاف ريال يدفع نحو 37.0 في المائة من دخله السنوي كإيجار قبل 2006، ها هو اليوم يستقطع أكثر من 45 في المائة للغرض ذاته! هذا عدا تفاقم أسعار بقية بنود تكاليفه المعيشية الأخرى، التي ارتفعتْ خلال الفترة ذاتها بأضعاف نمو دخله؛ حيث ارتفعت تكاليف بند السلع والخدمات الأخرى بـ 58.8 في المائة، وتكاليف بند الأطعمة والمشروبات بـ 53.0 في المائة، ويستقطع هذان البندان فقط من مجمل الدخل المتاح للمواطن نحو 43.3 في المائة!

كتبتُ هنا ”الاقتصادية عدد 7163” مقالاً قبل نحو ثلاثة أشهر بعنوان: ”هل حانتْ ساعة انفجار فقاعة العقار؟”، وها هي مؤشرات الإجابة بـ ”نعم” تتصاعد شيئاً فشيئاً، يقود زمامها وزارة الإسكان، فعبر إعلاناتها المستمرة بضخِّ مشروعات الإسكان في العديد من مدن ومناطق المملكة، وترقّب صدور ما أعلن عنه وزير الإسكان قبل أقل من عامٍ عن توجّه الدولة ــــ أيدها الله ــــ لفرْض رسوم الأراضي ورسوم الخدمات على الأراضي المحاطة بالخدمات، ونزْع الملكيات من الجهات المحتكرة للأراضي نظير تأخّرها في تطوير ما تمتلكه من مساحات شاسعة، وقد اقترب كثيراً موعد صدور تلك القرارات، أؤكّد أنَّ كل تلك المعطيات الإيجابية ترجّح دون أدنى شك بدء انفجار تلك الفقاعة التي أهلكتْ الحرْث والنسل.

يبرز هنا دور المواطن لمساندة توجّهات وزارة الإسكان، وعدم تعريض نفسه وماله للضرر والخسارة، فإنْ كان باحثاً عن السكن؛ عليه الانتظار لأقل من عامين ـــ بحدٍّ أقصى ــــ لما ستسفر عنه نتائج أعمال وجهود الوزارة، فقراره بالشراء عبر الاقتراض وفق المستويات السعرية الشاهقة الآن، سيحرمه تماماً الاستفادة من التراجع الحاد المرتقب على الأسعار، فالمُقرض سيضمن استرداد تمويله بالكامل دون النظر لما سيطرأ على الأسعار من تراجع! وإنْ كان ذلك المواطن ”مضارباً” في السوق العقارية، فلا أجدى من الانسحاب في هذا الوقت بالذات من ”لعبة” تدوير أمواله فيها، وليحذر أن يكون هو المشتري الأخير بتلك الأسعار الموشكة على الانهيار الكبير، وهو ما يُطلق عليه اصطلاحاً في عالم الأسواق ”المغفل الأخير”.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/08/24/article_780570.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

تعليق واحد على: حانتْ ساعة انفجار فقّاعة العقار

  1. هشام كتب:

    طرح جميل جداُ من أنسان راقي وغيور على المسلمين قبل أن يكون غيور على المواطن
    بس عندي استفسار شخصي انا كان عندي ارض قبل ان تسحب هيئة الاسكان من البلديات الاراضي كان باقي حدود سنتين للحصول على الارض لانها كانت ضمن الارقام الخاصة فما هو الأجراء الحالي حول هذه الأرض هل ستذهب أدراج الرياح أم ماذا..؟