خصخصة صناديق التنمية الحكومية

تحتل مؤسسات الإقراض المتخصصة الحكومية ”صندوق الاستثمارات العامة، وصندوق التنمية العقارية، وصندوق التنمية الصناعية، والبنك السعودي للتسليف والادخار، وصندوق التنمية الزراعية” المرتبة الثانية في سلّم تمويل الأنشطة التجارية والصناعية والزراعية والاستثمارية في الاقتصاد الوطني من حيث الحجم، والتي تمارس دوراً مهماً ومحورياً في اتجاه تقديم الائتمان طويل الأجل لقطاعات الاقتصاد المنتجة، حيث بلغ إجمالي قروضها القائمة حتى نهاية الربع الثالث من 2012 أكثر من 237.7 مليار ريال، شكّلت نحو 9 في المائة من حجم الاقتصاد الوطني، ”المرتبة الأولى: القطاع المصرفي بنسبة 44.3 في المائة، الثالثة: السوق المالية عبر الطرح والإدراج، الرابعة: سوق السندات والصكوك”.

في الوقت ذاته؛ يتوافر للاقتصاد الوطني والقطاع الخاص إمكانية الاستفادة من أسواق رأس المال الخارجية كمصدر تمويل خارجي؛ غير أن الاعتماد عليه يُعد في أدنى درجاته في المرحلة الراهنة قياساً على توافر قنوات الوصول محلياً، وارتفاع مستواها بصورةٍ قياسية.

هذا خلاف القروض الممنوحة للقطاع الخاص عبر برنامج القروض المحلية الذي تتبناه وزارة المالية، الذي يتركز على مساعدة القطاع الخاص من أجل إقامة وإنشاء المشاريع الاقتصادية التنموية بقروض ميسرة، بدأ عمله في 1971م واستمر حتى المرحلة الراهنة، ويشمل تقديم قروض لإقامة الفنادق والمنتجعات السياحية والمستشفيات والمستوصفات والمراكز العلاجية والصحفية ومشاريع التعليم والتدريب الأهلية، وبلغ عددها منذ تأسيسه حتى نهاية العام الماضي نحو 593 قرضاً بقيمةٍ إجمالية بلغت 8.1 مليار ريال.

مؤدى القول؛ إن الدور الرئيس الذي من أجله تم تأسيس هذه المؤسسات والصناديق وهو تنموي في الدرجة الأولى، لم يعد بالأهمية والوزن نفسه الذي كان عليه في العقدين الأولين من عمر التنمية الاقتصادية السعودية، وبالنظرِ لزيادة احتياجات الاقتصاد الوطني من مصادر التمويل المحلية، في مقابل بلوغ العدد المحدود من المصارف المحلية إلى أقصى قدرتها تقريباً في مجال تمويل احتياجات القطاع الخاص والأفراد، وأن الزيادة المحتملة من التمويل التي قد يتمكن القطاع المصرفي من تلبيتها مقابل المتطلبات التمويلية الهائلة المتوقعة للقطاع الخاص؛ خاصة في قطاعات التشييد والبناء والإسكان، وما سيمثله من نقطة تحول بعد صدور أنظمة الرهن العقاري! تتطلب حلولاً عاجلة واستثنائية بل وغير مسبوقة.

تأخذ تلك الحلول في الحسبان عدداً من العوامل المرتبطة بضرورة المحافظة على استقرار الاقتصاد الوطني، إضافة إلى تعزيز مصادر نموّه عوضاً عن الاعتماد على النفط وبما يدفع قُدماً من خطى تنويع قاعدته الإنتاجية بصورةٍ أفضل مما تحقق طوال العقود الأربعة الماضية، وبما يُساهم بصورةٍ أكبر في خلق المزيد من فرص العمل المجدية للمواطنين والمواطنات، كل هذا وغيره من الأهداف المشروعة أمام راسمي السياسات الاقتصادية، أؤكد مجدداً على ضرورة تبنّي مثل تلك الحلول العاجلة والاستثنائية، لعل من أهمّها ما يختص بمؤسسات الإقراض المتخصصة الحكومية.

يتركّز الاقتراح المقدّم إلى فريق الجهاز الاقتصادي والمالي في السعودية، على البدء بالتفكير الجاد في خصخصة تلك المؤسسات الإقراضية المتخصصة، وطرح جزءٍ من رؤوس أموالها للاكتتاب في السوق المالية؛ والذي يصل مجموعه إلى نحو 4.8 مليار ريال، وإذا ما تم استبعاد صندوق الاستثمارات العامّة في الوقت الرهن الذي لا يتوافر حجم رأسماله، فسينخفض حجم مجموع رؤوس الأموال المذكور أعلاه. إنه التخصيص المفترض أن يعمل على تحويل وتطوير آلية إدارتها وتشغيلها بما يتوافق مع آليات عمل القطاع الخاص، التي تقتضي مزيداً من الشفافية وفرض متطلبات الحوكمة على عمل إداراتها، ولتضيف قيمةً لا يُستهان بها وتنوّعاً بالغ الأهمية في رواق القطاع المصرفي السعودي، وكونه سيُشكل نقلة كبرى في قطاع التمويل المحلي يمنحه زخماً أكبر وأقوى، يزيد بصورةٍ كبيرة من أهليته وكفاءته لأجل تلبية الاحتياجات المتنامية للاقتصاد الوطني من التمويل، خاصةً من بعد صدور أنظمة التمويل العقاري.

كما أنه سيمنح فرصاً مستقبلية واعدة للاستفادة القصوى من وجود هذه المؤسسات والصناديق التنموية؛ قد يكون وفق هذه الآلية المقترحة في مستوى مساهمتها المهمة نفسه خلال العقدين الأولين من عمر التنمية أو حتى أعلى في المنظور المستقبلي طويل الأجل، هذا من جانب. الجانب الآخر؛ أنها ستضيف عمقاً حقيقياً للقطاع المالي وللسوق المالية من خلال تحولها إلى مصارف تجارية متخصصة حسب نشاط كل منها، تمتلك قدرةً أكبر من غيرها على تمويل أنشطة تمتنع عن تمويلها المصارف المحلية الراهنة، غير أنها تتم وفقاً لقواعد ومتطلبات السوق الحرة، والتي يغلب عليها طول الأجل بما حتى لا تستطيع المصارف أن تمولها حتى وإن أرادات ذلك ورأت فيه تمويلاً مجدياً بالنسبة لها. أيضاً فإن تخصيص هذه المؤسسات والصناديق يُعد فرصةً مواتية للمواطنين للاستفادة بأقصى درجة ممكنة من قبلهم، سواءً كمستثمرين في تلك المؤسسات بعد طرحها للاكتتاب، أو كمستفيدين من خدماتها التمويلية. كما يعد إدراجها في السوق المالية المحلية من أفضل الأصول المدرجة، بصورةٍ تساهم في تعزيز الثقة بها، ويزيد من جدواها الاستثمارية المنافسة.

أخيراً؛ يمكن لمؤسسة النقد العربي السعودي أن توجّه جزءاً من استثماراتنا المالية الهائلة في الخارج التي تتجاوز سقف 3.6 تريليون ريال، نحو إيداعها في تلك المؤسسات والصناديق بعد طرحها كودائع تُدر عليها عوائد أكبر من الخارج، كما أنها تتمتع بانخفاض درجات مخاطرها مقارنةً بالمخاطر المتصاعدة لمختلف الأدوات الاستثمارية في الخارج، وهو سيساهم بصورةٍ أكبر وأفضل في تعزيز دورة رأس المال محلياً، وبما يلبي متطلبات الاقتصاد الوطني، والدفع بمحددات نموه الاقتصادي بوتيرة أعلى وأفضل كفاءة.

أعتقد أن الإقدام على اتخاذ مثل هذه الخطوة المهمة من شأنه أن يأخذ الوزن والأهمية نفسها أو أكبر للاقتصاد الوطني التي تحققت لها حينما تم تأسيسها في العقد الأول من عمر التنمية، وأن تكون ضمن أهم الإصلاحات الهيكلية التي تم اتخاذها في تاريخ الاقتصاد السعودي، إنها أمنية آمل صادقاً أن تحظى باهتمام وزارة المالية ومؤسسة النقد وهيئة السوق المالية والمجلس الاقتصادي الأعلى، وأن ترى النور قريباً لما فيه مصلحة الاقتصاد الوطني.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/08/21/article_779853.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.