“لا” للصندوق السيادي

حافظتْ المملكة العربية السعودية وفقاً لتقرير الاستقرار المالي لصندوق النقد الدولي ”نيسان (أبريل) 2013”، على المرتبة الثالثة في سلّم ترتيب أكبر البلدان المصّدرة لرؤوس الأموال حول العالم بنهاية 2012م، حيث استحوذتْ على نحو 11.0 في المائة من الإجمالي، بعد كلٍ من ألمانيا بـ 14.8 في المائة، ثم الصين بـ 13.3 في المائة، على أنّه لو أُخذ الترتيب حسب نسبة رؤوس الأموال المصدّرة إلى حجم الاقتصادات، فإن المملكة ستتقدّم كلاً من الصين وألمانيا، ذلك أنًّ حجمي اقتصاديهما أكبر من حجم الاقتصاد السعودي، إذ يُشكّلان على الترتيب نحو 5.3 و12.3 مضاعف إلى حجم الاقتصاد السعودي.

وقبل أنْ أصل لفكرة الصندوق السيادي المقترح، أُذكّر بما نصّتْ عليه خطة التنمية في إطار استراتيجيتها بعيدة المدى للاقتصاد الوطني، قالتْ حرفياً:.. إلا أنَّ الثروة النفطية بحكم طبيعتها غير المتجددة، تعد رأسمالا وطنيا، يتمثل استغلالها الأمثل في استثمارها في أصول متجددة تسهم في تنويع القاعدة الإنتاجية الاقتصادية وتحقق التنمية المستدامة، لذا يتعيّن تعزيز الموارد العامّة غير النفطية للدولة بما يُتيح تحويل الإيرادات النفطية تدريجياً إلى أصول إنتاجية، ورأسمال بشري فعال). السؤال: هل التزمت الأجهزة الاقتصادية والمالية بهذه الخطّة الاستراتيجية؟ والسؤال الآخر: هل مقترح الدعوة إلى إنشاء صندوق سيادي سعودي يتوافق مع هذه الخطّة؟ الإجابة على كلا السؤالين باختصار: ”لا”.

لا أحد بيننا يملك القدرة الكاملة على إيجاد تفسيرٍ جامعٍ كاملٍ لما يجري على السطح الاقتصادي والمالي لدينا! فالتناقض الماثل أمامنا أعلاه سواءً في حقائق أرقامه الرسميّة، أو نصوص خطّته الاستراتيجية تجاه الاحتياطيات الرأسمالية المتوافرة لدى الاقتصاد الوطني. يوجد ”سرّه” فقط لدى من دوّن تلك الخطّة، وهو ذاته أيضاً من قرّرَ عكسها على أرْض الواقع! وهل هناك غيره من يملكَ حقيقة تفسير هذا التناقض الغريب بين الحقيقتين المذكورتين أعلاه؟!

لم يقفُ التناقض عند هذا الحدِّ؛ فقبل أقل من عامٍ مضى اقترح بعض أعضاء مجلس الشورى إنشاء ”صندوق الاحتياطي الوطني”! تبيّن من حيثيات ذلك الاقتراح أنَّ واضعيه كما يبدو لم يقرأ أحدهم تلك الفقرة من الخطّة الاستراتيجية. كما تبيّن أيضاً أنّهم نسوا شركةٍ حكومية أُسّسَتْ لهذا الغرض تحديداً في عام 2008؛ وهو الغرض الذي لم يأخذ أيضاً في اعتباره تلك الفقرة المذكورة أعلاه من الخطّة! الشركة هي ”شركة سنابل السعودية”، والتي بدورها توشك على إنهاء عامها الخامس منذ التأسيس ولا تكاد ترى لها نوراً، أو تسمع لها همساً، أو تلمس لها أرضاً.

إنّها تناقضات تقودنا إلى متاهةٍ لا حدود لها ولا علامات، الإشكالية العظمى أنّ القضيّة برمّتها تتعلق بما تناهز قيمته 4.0 تريليونات ريال ”استثمارات في الحافظة وأصول احتياطية واستثمارات أخرى خارج الحدود”، وفقاً لميزان الاستثمار الدولي للسعودية حتى منتصف العام الجاري، وبافتراض استمرار تراوح أسعار النفط عند مستوياتها الراهنة خلال الأعوام الخمسة القادمة، إضافةً إلى استمرار العمل بتلك السياسات، يُقدّر أن ترتفع قيمة تلك الأصول الاحتياطية إلى أكثر من 6.5 تريليون ريال مع نهاية عام 2018.

أُعيد القارئ الكريم إلى المربّع الأول، المربّع الأهم على الإطلاق حتى بالنسبة للمخطط والمنفّذ الاقتصادي، المذكور نصّاً في خطّة التنمية تجاه تلك الاحتياطيات، بأن يتم ”استثمارها في أصول متجددة تسهم في تنويع القاعدة الإنتاجية الاقتصادية وتحقق التنمية المستدامة، لذا يتعيّن تعزيز الموارد العامّة غير النفطية للدولة بما يُتيح تحويل الإيرادات النفطية تدريجياً إلى أصول إنتاجية، ورأسمال بشري فعال”، والقول لجميع المقترحات المطالبة بإنشاء صندوق احتياطي أو سيادي، أنّها لا تصبُّ على الإطلاق في مصلحة اقتصادنا الوطني!

نعم قد تكون تلك الصناديق ملائمة لبعض الاقتصادات المتوسطة والصغيرة الحجم، التي يصعب عليها تحقيق المعادلة أعلاه المطلوبة لاقتصادٍ مثل اقتصادنا، لكنّها والحال الراهنة لاقتصادنا الوطني؛ الذي يواجه تحدياتٍ جسيمة على مستوى ضرورة توسيع وتنويع قاعدته الإنتاجية، وأهمية العمل المستمر والجاد لتخفيف الاعتماد على عوائد النفط، ما يعني أنّه أحوج ما يكون إلى كل ريالٍ فيها أكثر من أي طرفٍ آخر حول العالم.

إننا في أمسِّ الحاجة إلى ما يتجاوز كثيراً مجرّد محاكاة اقتصادات لا تصل حتى إلى ربْع حجم اقتصادنا الوطني! إننا نطمح إلى بناء منظومة متكاملة من السياسات الاقتصادية أكثر ديناميكة، تتركّز على توسيع الطاقات الاستيعابية للاقتصاد الوطني، تستهدف ضخ تلك التدفقات المالية العملاقة في شرايينه الأكثر أولوية، والأهم على طريق سرعة مساهمتها في حل ما يمكن من التحديات القائمة في الوقت الراهن؛ كخلق بيئات حاضنة للمشروعات، تتوزّع على امتداد مساحة البلاد ووفقاً للمزايا التنافسية المتنوعة للمناطق المحلية، التي بدورها يؤمل أنْ تفتح المئات من فرص الاستثمار أمام رأس المال الوطني العائد لقطاع الأعمال السعودي، وحتى الاستثمار الأجنبي. هذا بدوره سيمهد لخلق مئات الآلاف من فرص العمل الكريمة للمواطنين والمواطنات. النتيجة لا تقف فقط عند مجرد تجفيف الدوائر المشبعة بالعاطلين والعاطلات عن العمل! بل يُراد منه أن يتصاعد للأعلى ليلعب دوره الفاعل في رفع مستوى الدخل الحقيقي للأفراد في كل من القطاعين الحكومي والخاص.

المهم في الأمر؛ أن تنتهج تلك السياسات الاقتصادية (الاستباقية) مرونة قصوى في بنائها وتنفيذها، فعلى سبيل المثال ستأخذ في عين الاعتبار في مرحلتها المبدئية عدداً من الاعتبارات قد تستبدلها لاحقاً أو حتى تلغيها إذا ما انتقلت للمرحلة التالية، كأن تركّز مبدئياً على إيجاد حلول عملية وفاعلة أمام انسداد قنوات الاستثمار الحقيقية للاقتصاد الوطني، وأمام انسداد فرص توظيف العمالة الوطنية! وفي المرحلة التالية يجتهد واضعو تلك السياسات من خلال متابعة ومراقبة الأداء ومراجعة النتائج، في إحداث التغييرات اللازمة على السياسات ـــ كل ثلاثة أو خمسة أعوام ــــ بما يحقق تحسيناً حقيقياً لكفاءة الأداء، ويكفل أيضاً زيادة التطور والارتقاء والنمو فيما تم تأسيسه من مشروعات.

إنَّ تحويل الاحتياطيات من مجرد أوراقٍ مالية لكياناتٍ إنتاجية، متنوعة الركائز، وضخّها محلياً بآليةٍ محكمة عبر إقامة شراكة تكاملية لثلاثة أطراف: (1) الحكومة، (2) القطاع الخاص، (3) المستثمر الأجنبي، سيدفع بتحقيق نموٍ أكبر للاقتصاد، والقطاع الخاص بدرجةٍ أهم! يؤهلُ لتعزيز الاستقرار الاقتصادي، ولخلْقِ فرص عمل أفضل للسعوديين، على أن تحدد أدوار الاستثمار الأجنبي في التركيز على تميّزه بالتقدم التقني كقيمة مضافة مهمة جداً، وكعاملٍ تفضيلي يتم التعاقد مع هذا الطرف الخارجي بناءً عليه.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/08/14/article_778112.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.