من أين تؤكلُ الكتف؟

تعرّضت سفينة عملاقة لعطلٍ أوقف محركاتها تماماً، ما أعيا أمهر المهندسين الذين استدعوا من كل جهة، وعجزوا تماماً عن إصلاحها، وتكبّد ملاك السفينة خسائر طائلة لأجل إصلاحها، لكن دون جدوى! لاحقاً؛ علم الملاك بوجود عامل كبيرٌ في السن، كان قد أفنى جُلَّ حياته على متن هذه السفينة العملاقة، وأنّ هذا العامل هو من يستطيع إصلاح هذا العطل! ليقوموا على الفور باستدعائه.

أتى العامل المُسن حاملاً حقيبته الصغيرة، وبعد ساعاتٍ قليلة قضاها يتجوّل فاحصاً لمحركات السفينة العملاقة، توقّف فجأةً عند منطقةٍ منها، ثم أخرج مطرقته، وقام بضربها عدة ضربات، ثم أمر بتشغيل المحركات، لتشتغل وسط ذهول الجميع من حوله! سأله أحد الملاك عن أتعابه لقاء هذه الضربة الموفّقة بمطرقته الصغيرة، فأجابهم: إنّها عشرة آلاف دولار! صُدِم الملاك من ضخامة الأتعاب، ورأوا أنّ العامل قد بالغ كثيراً في طلب ذلك المبلغ لقاء عمل كان جهده في نظرهم أقل من ذلك بكثير، ما دعاهم إلى طلب تفصيل دقيق لهذه التكلفة المرتفعة! ردَّ عليهم بفاتورة صغيرة، كتب فيها: (1) استخدام المطرقة (دولاران فقط)، (2) معرفة أين تضرب بالمطرقة (9998 دولارا). حدث أن جميع الملاك اقتنعوا بهذا الرد، ودفعوا له المبلغ كاملاً.

ما أشبه ما يعانيه اقتصادنا إزاء العديد من التحديات بالقصة القصيرة جداً أعلاه! فتحديات البطالة المتفاقمة، وتزامنها مع الزيادة المفرطة في استقدام العمالة الوافدة، وانخفاض القوّة الحقيقية لدخل الفرد، والتضخّم الزاحف صعوداً سريعاً للأسعار، فوق هشاشةٍ طويلة الأجل لتنوّع القاعدة الإنتاجية، عدا انخفاض الإنتاجية وكفاءة توظيف الموارد المتاحة، والزيادة المفرطة في الطلب على موارد الطاقة، وزيادة الاعتماد على الواردات، وتأخّر تنفيذ المشروعات العملاقة والمتوسطة على مستوى البُنى التحتية، وتفشّي مظاهر الاحتكار في الأسواق المحلية أوّلها السوق العقارية وسوق التجزئة، كأمثلةٍ لا على سبيل الحصر؛ ليستْ إلا أعطالاً انتشرتْ في مختلف محركّات الاقتصاد!

أمّا المطرقة؛ فبالنظرِ إلى حجم الوفورات المالية الهائلة العائدة للاقتصاد الوطني، التي تُشير من خلال القراءة التقديرية لميزان الاستثمار الدولي للسعودية حتى منتصف العام الجاري، إلى تمتّعه بأصولٍ تناهز قيمتها أربعة تريليونات ريال (4.0 تريليون ريال) كاستثمارات في الحافظة وأصول احتياطية واستثمارات أخرى خارج الحدود. مقابل استثمارات أجنبية داخلة كاستثمار مباشر واستثمارات في الحافظة وأخرى تخطّتْ سقف تريليون ريال (1.0 تريليون ريال). هذا عدا السيولة النقدية المحلية التي أصبحتْ تناهز بنهاية يونيو الماضي سقف الـ 1.5 تريليون ريال، زاد من فرص الاستفادة القصوى منها انخفاض مستوى المديونية على الاقتصاد والحكومة، إذْ لا تتعدّى نسبة إجمالي مديونية الاقتصاد السعودي بالإجمال سقف 47.6 في المائة إلى إجمالي الناتج المحلي، لم يشوّهها إلا ارتفاع نسبة قروض الأفراد لإجمالي الائتمان المحلي خلال السنوات الخمس الأخيرة من 18.8 في المائة إلى نحو 24.0 في المائة.

تنحصرُ الإشكالية في ضوء ما تقدّم؛ في ”معرفة” أين تضرب بمطارق الإمكانات والموارد القياسية التي لديك في مواقع الخلل أو الأعطال التي يواجهها الاقتصاد الوطني كتحدياتٍ جسيمة؟!

ولا أظنُّ أبداً أنَّ القدرة على ”معرفة” مواقع توظيف تلك الإمكانات والوفورات في الاتجاه الإيجابي المعزز لاندفاع اقتصادنا الوطني بالأمر المستحيل أو المعقّد! يؤكّد إمكانية تحقق هذه القدرة الارتفاع اللافت في مستوى التعليم والتأهيل والخبرة والمعرفة لدى أفراد المجتمع السعودي، وتحديداً لدى الشريحة الشابة والفتيّة منه، التي تشكّل أكثر من 79 في المائة من المجتمع السعودي.

وأؤكدّها هنا للمرة المائة أو أكثر أنَّ غياب ”الرؤية الشاملة” لمستقبل اقتصادنا الوطني، التي تمَّ الحديث حول ضرورة تأسيسها في أكثر من مقامٍ ومقال، وأهمية العمل على تحقيقها واقعاً؛ يبدأ من تضمينها في المناهج التعليمية وصولاً إلى تجذيرها في صلب أنظمة الرقابة على الأداء والمتابعة والمحاسبة للأجهزة الحكومية المختلفة، وتحديث أُطرها كل خمس سنواتٍ على سبيل المثال، أؤكد أن غياب تلك الرؤية سيُبقينا ندور طويلاً في حلقاتٍ مفرغة! وأنّ حضورها في حيثيات حياتنا بصفةٍ عامّة من شأنه أن يبيّن بصورةٍ واضحة وجليّة الأهداف النهائية لكل مجهودٍ نقوم به، وأنْ يزيد من فعالية كل فردٍ ينتمي إلى هذه البلاد، ويضعه في الموقع المناسب الذي يؤهله للإنتاج والعمل بكفاءةٍ أعلى وأفضل مما هو عليه في الوقت الراهن، حيث يُتّهم فيه بأنّه أقل إنتاجية، على الرغم من أنّه قد يكون في موقعٍ لم يقبل به إلا لظروفٍ معيشية معقدة، أو قد يكون في الأصل خارج منظومة العمل والإنتاج كونه عاطلا عن العمل!

لا ينبغي أن تبقى سفينة الاقتصاد الوطني شبه متوقّفة عن السير، ولا ينبغي أن نُخدع بتقدمها إلى الأمام بدفْعٍ طبيعي من أمواج البحر الذي تتوسّطه، وأعني هنا انتعاش أسعار النفط العالمية، التي ساهمتْ كثيراً في حدوث كل ذلك التحرّك الوهمي للسفينة!

أحياناً كثيرة؛ يعمل طرْح الأسئلة العميقة حول تشخيص الحالة الاقتصادية الراهنة على استفزاز حالة التفكير في الإجابة، والإجابات بدورها تدفع بك للمبادرة للعمل واتخاذ ما يلزم من قراراتٍ وإجراءات للتغيير والتطوير! ولعل من أهمِّ الأسئلة التي يجدر بكامل الأجهزة الاقتصادية والمالية لدينا التفكير فيها، والبحث عن إجاباتٍ لها، ليس لأجل الإجابة فقط؛ بل للمبادرة باتخاذ ما يلزم لمعالجتها، والاندفاع لاحقاً نحو تجاوزها وعدم تكرارها، وتوظيف كامل الموارد المتاحة لأجل التقدّم الشامل والحقيقي بسفينة الاقتصاد الوطني.

السؤال الأول: لماذا لم ينعكس النمو القوي المتحقق للاقتصاد الوطني طوال الأعوام الخمسة الأخيرة على مستوى معيشة الفرد؟ السؤال الثاني: لماذا تفاقمتْ مستويات البطالة وانخفاض مستوى الدخل الحقيقي للفرد وغيرها من التحديات الجسيمة إزاء هذا التحسّن القياسي وغير المسبوق في الوفورات المالية؟ السؤال الثالث: هل تمَّت مراجعة كل السياسات المالية والاقتصادية المعمول بها في الوقت الراهن، وخاصةً أنّه لم يتغيّر فيها حرف واحد طوال أكثر من أربعة عقودٍ مضت؟ وذلك على الرغم من التغيّر الكبير الذي طرأ على الظروف والمتغيرات والوقائع الاقتصادية محلياً وخارجياً؟! هذه الأسئلة وغيرها سأطرحها هنا، وسأكون أوّل من يبحث عن إجاباتها، ولكني أتمنّى ألا تتأخّر الأجهزة الحكومية المعنيّة بها عن بحث الإجابة عنها.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/08/12/article_777671.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.