وشهد شاهدٌ من أهلها

ما زلتُ أتذكّر جيداً ذلك التصريحٍ الجريء لوكيل وزارة الاقتصاد والتخطيط، المنشور قبل عامين في صحيفة الرياض، عدد 15809 في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 2011؛ حمّل فيه مسؤولية فشل خطط التنمية السابقة وعدم قدرتها تحقيق أهدافها على الوزارات المعنية بالتنفيذ، ولم يكتف بهذا الاعتراف، بل طالب فيما يختص بالتجديد للوزراء في مناصبهم أن يتم ربطه بمدى ما حققوه من أهداف خطط التنمية، كما هو مطبق في سياسات الدول المتقدمة.

أشاح هذا التصريح المتأخّر جداً من مصدرٍ مسؤولٍ في واحدةٍ من أهم الوزارات الحيوية في الجهاز الحكومي خاصةً، والاقتصاد الوطني عامّةً، أؤكد أنّه أشاح اللثام عن مساحاتٍ شاسعةٍ من النتائج المؤرقة، كانت غائبةً عن الاعتراف بها، فيما ظلّت آثارها السلبيّة تتفاقم تحت السطح الوردي للتقارير المعتاد إصدارها من ذات الوزارة.

صدمة التصريح أنّهُ أتى من أروقة الوزارة التي تصبُّ فيها جميع بيانات الأداء الاقتصادي، غير أنّه أتى مخالفاً جملةً وتفصيلاً لكل ما اعتادت على إصداره الوزارة طوال أكثر من أربعة عقودٍ مضت! فما إن تكتمل لديها بيانات عامٍ كامل من الأداء، إلا وتقوم بإصدار كتابها السنوي المعتاد ”منجزات خطة التنمية”، الذي وصلت أعداده حتى 2011 إلى 27 كتابا بالتمام والكمال! طالما تستهلّه وزارة الاقتصاد والتخطيط في مقدمته بقولها إنها ”تأمل أن يسهم في تعميق مبدأ الشفافية والإفصاح عن نتائج الأداء التنموي للمملكة، وإتاحته لجميع المعنيين بالشؤون الاقتصادية والاجتماعية للمملكة بصفة عامة، وللمهتمين بمتابعة إنجازات مسيرتنا التنموية وتقويمها بصفة خاصة. ثم تشير صراحةً إلى أن الإنجازات الملموسة التي حققتها المملكة عبر خططها التنموية المتعاقبة في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية، والتي أسهمت في رفع مستوى المعيشة وتحسين نوعية الحياة للمواطنين، تعزى بعد توفيق الله ــ عز وجل ــ ثم الرعاية الكريمة من القيادة إلى تكامل مبادرات القطاعين الحكومي والخاص”. انتهى.

تلك هي لغة التقييم المعتادة لأكثر من 30 عاما من مراجعة خطط وسياسات التنمية، التي طالما واجهت في العقد الأخير انتقاداً من مختلف المراقبين الاقتصاديين يخالف كثيراً ما كان يرد في سجل تلك المنجزات! لقد حمل مضمون ذلك التصريح اعترافاً واضحاً من وزارة الاقتصاد والتخطيط؛ أن ما كانت تراه سابقاً كمنجزات، ليس إلا فشلاً ذريعاً، تتحمّل مسؤوليته بالكامل الوزارات المعنيّة بالتنفيذ وفقاً لما صرّح به وكيل الوزارة، لكن!

هذا التصريح يضع في مقدمة تلك الجهات المسؤولة؛ وزارة الاقتصاد والتخطيط! كيف؟ ألم تعتد على قولها عبر سلسلة ”منجزات خطة التنمية”: أحسنتم عملاً وصنعاً أيتها الوزارات المكلّفة بتنفيذ خطط وسياسات التنمية! التي ما إن تقرأ مثل هذا التقييم المسؤول، ليس عليها سوى المضي قُدماً دون أي تغيير أو إصلاحٍ على ما بيدها من مهام ومسؤوليات.

مضى علينا حينٌ من الدهر ليس بالهيّن ونحن كمجتمعٍ نواجه هذه الحقيقة! حقيقة القصور الكبير في سياسات التنمية، وازداد الانتقاد في العقد الأخير قياساً على الوفورات المالية الهائلة وغير المسبوقة في تاريخ الاقتصاد الوطني التي توافرت لديه، انعكست على واقع الاقتصاد بنتائج معاكسة؛ لعل من أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، والتضخم، وتفاقم معدلات الفقر، وتفاقم تعسّر الحصول على المسكن لأغلب شرائح المجتمع، وزيادة معدلات الاستقدام على حساب مخرجات التعليم من المواطنين والمواطنات، حُجبت مع سُحبها السوداء الكثيفة أيّ فرصٍ للتوظيف والاستثمار، أحكمت معها العمالة الوافدة السيطرة على أغلب الأنشطة التجارية والصناعية، لتغذّي بصورةٍ مفرطة نمو غول الاقتصادات المتمثل في اقتصاد الظل، الذي طالما فضح نفسه وأثبت وجوده، من خلال معدلات النمو السنوية للاستهلاك المحلي للوقود والكهرباء والمياه على سبيل المثال، غدت خلال العقد الفائت تتجاوز ثلاثة أضعاف معدل النمو الحقيقي للاقتصاد الحقيقي غير النفطي، وأوشكت تحويلات العمالة الأجنبية على بلوغها تريليون ريال خلال عقدٍ مضى، أمام كل هذه المؤشرات الدالة على خروج اقتصاد الظل عن السيطرة.

وجدنا أغلب الأجهزة الاقتصادية والمالية تقرأه بصورةٍ قاصرةٍ، زاد من قصورها تأييد عددٍ من المراقبين المجاملين على حساب المصلحة العامّة، مستنتجين أن النمو المفرط في الطلب على مصادر الطاقة المحلية ناتج عن ارتفاع مستوى الدخل بين المواطنين مقابل تدني تكلفتها، وأن الحل المطلوب الآن هو رفع تكلفتها! وما علم أولئك أي ضلالٌ مبين هم فيه يصبحون وعليه يمسون، وما علموا أي كارثةٍ أخرى هم يزمعون احضارها إلى الحضن المهترئ لمجتمع المستهلكين!

أضف إلى أوجه القصور في أداء الاقتصاد الوطني، انخفاض كفاءة أداء الأجهزة الحكومية، لعل من أسوأ نتائجها أنها وقفت كالعضلات المشلولة، أمام تفاقم آلام مجتمع المستهلكين من الزيادة المفرطة في شراسة أوجه الاحتكار، التي عمّت أغلب الأسواق المحلية بدءاً من سوق الإسكان، مروراً بأسواق التجزئة والغذاء والمنتجات الزراعية والسلع المعمرة، لتمتد بطغيانها على أغلب قطاع الخدمات المسيطر عليه من الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص.

ثم انفض جناحيك مرتفعاً في نظرةً عامّة على مستوى جميع أهداف سياسات وبرامج التنمية لعلك ترى ما يسر عينيك! لعل نجاحاً تحقق على مستوى تنويع القاعدة الإنتاجية، أو زيادةً طفيفة في فرص الاستثمار المحلية، أو انخفاضاً مغرياً في التحويلات الرأسمالية للخارج، أو ارتفاعاً في كفاءة الإنفاق الحكومي، أو تحسناً في مخرجات التعليم العام والعالي، أو أي أمرٍ اقتصادي أو مالي يسر الناظرين، فلا أزيد على أن تعود بناظريك إلى كتب ”منجزات خطّة التنمية” لترى ”بعينها” ما سيخبرك عن حقيقة المنجز! الذي لن يتجاوز كلمة ”الفشل” حسبما صرّح به وكيل وزارة الاقتصاد والتخطيط.

ليست مفاجأة اكتشاف فداحة الوقائع الاقتصادية المشار أعلاه إلى عيّنةٍ منها، إنما المفاجأة المؤلمة حقاً أن اكتشافها من قِبل من هي بمثابة ”العين النافذة” للاقتصاد الوطني ”وزارة الاقتصاد والتخطيط”، تأتي متأخرةً جداً بأكثر من عقدين من الزمن! وكي لا نرتكب أخطاءً أكبر أو نكررها؛ فقد أصاب الهدف تماماً وكيل وزارة الاقتصاد والتخطيط؛ حينما ”طالب فيما يختص بالتجديد للوزراء في مناصبهم، أن يتم ربطه بمدى ما حققوه من أهداف خطط التنمية”. ليكن هذا أوّل الحلول! وكما يبدو من تصريحه الصريح وما تحقق فعلاً على أرض الواقع أن ”الفشل” قد لازم أغلب أهداف خطط التنمية ذات الارتباط بعمل تلك الوزارات! فماذا بعدئذ وقد شهد شاهدٌ من أهلها؟!

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/08/10/article_777288.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.