راجع قراراتك الاستثمارية

كم هو مناسبٌ جداً لأيّ مستثمر في السوق المالية، أنْ يُراجع من وقتٍ إلى آخر قراراته الاستثمارية، والعملية تلك على قدرٍ من الأهمية لأجل تحقيق أعلى درجات الكفاءة تجاه إدارة الثروات الشخصية، وتحقيق الحماية الكافية لها من عبث بعض القرارات الارتجالية أو غير المدروسة، إضافةً إلى كونها فرصة للمستثمر يُعيد من خلالها تقييم الأداء الاستثماري، بما يساعده على اكتشاف نقاط القوة أو الضعف، وأهمية تلك النتيجة للتخلّص من نقاط الضعف، وأسباب الخسارة، وعدم تكرارها.

تبدأ المراجعة بتدوين أهم النقاط أو المرتكزات التي بناءً عليها يتم اتخاذ هذا القرار الجوهري، والآلية التي خضع لها. ضع في صلب تفكيرك أن أية تغيرات صاعدة أو هابطة في مسار أسعار الأسهم المتاحة للتداول أمامنا، ومنها إلى المؤشر العام للسوق، أنّها ليست إلا انعكاساً مباشراً لتلك القرارات الاستثمارية، وحتى المضاربية التي تصدرُ من قبل مجتمع المستثمرين، وأن أيّا من تلك القرارات الصادرة منهم ليس إلا تأرجحاً ذاتياً داخلياً بين حدِّي الرغبة وعدم الرغبة في التملّك من عدمه. تتفاعل الأفكار والمشاعر والتوقعات لدى المتعاملين، فتفضي في نهايتها إلى تشكّل القناعة الداخلية لدى أي منّا إما الحرص والطمع في المكسب، أو الخوف والهرب من الخسارة. تلك ببساطة؛ فسيولوجية ”اتخاذ القرار الاستثماري”.

هل بالإمكان التحكّم بهذه الفسيولوجية؟! ما دام أنها وراء ما يؤثر في قراراتنا الاستثمارية، التي تؤثر كما اتضح في مدخراتنا واستثماراتنا المستودعة في سوق الأوراق المالية! الإجابة: ”نعم”. كيف يمكن لنا ذلك؟ نبدأ من نوعِ وكمِّ البيانات والمعلومات والتقارير والأخبار والتطورات المتعلقة بتقييم الأوراق المالية، التي نشتري فيها ونبيع! فكلما كانت أقرب إلى الدقة والثقة والتأكد والحداثة والشمولية والعقلانية والمهنية والعلمية كانتْ نتيجة هذه ”الفسيولوجية” أقربُ إلى العدالة والحياد والدقة! لتأتي لاحقاً قراراتنا الاستثمارية مجرد نتائج لها، سواءً بالشراء، أو البيع، أو الإبقاء على الأصل الاستثماري في المحفظة إن كان مملوكاً، أو عدم شرائه إن كان غير مملوك.

هل هذه الآلية سهلة التطبيق؟ الإجابة: ”لا”؛ إنّها تتطلّب بذل جهد ذاتي غير هيّن، وتحمّل تكلفةً مادية ومعنوية غير قليلة، بما يُمكن وصفه مهنياً بالعناية والحرص اللازمين لأي مستثمرٍ ينوي خوض تجربة الاستثمار في أوراق مالية يغلب على تقييمها الراهن والمستقبلي عامل ”عدم التأكد”، وما هذين العناية والحرص المتضمنان كل تلك الاعتبارات المذكورة أعلاه إلا من أجل تضييق مساحة هذا العامل المتمثل في ”عدم التأكد”، ومحاولة الاقتراب قدر الإمكان من درجةٍ مقبولة من التأكّد، على أنه من المحال عموماً التوصل إلى درجةٍ كاملة من التأكّد؛ يُستثنى من ذلك الحصول على معلوماتٍ داخلية مؤكدة دون الآخرين! إلا أن هذا الاستثناء يندرج تحت أكبر المخالفات والمحظورات في جميع الأسواق المالية حول العالم، والتي تُعرّض مرتكبها لأشد العقوبات والجزاءات المنصوص عليها حسب الأنظمة واللوائح القانونية المعمول بها.

الآن، ليراجع كل منّا ما تقدّم أعلاه ويقارنه بتجربته الاستثمارية، سيجد ألا فرق كبيرا بينهما، فأين الفرق يا تُرى؟! إنه مستقرٌ في: (1) نوعِ وكمِّ البيانات والمعلومات والتقارير والأخبار والتطورات المتعلقة بتقييم الأوراق المالية التي نشتري فيها ونبيع، و(2) مستوى الخبرة والدراية.

قد تكون الظروف التي تمر بها الاقتصادات والأسواق غير مستقرّة على الإطلاق، وهذا مما قد يزيد من صعوبة اتخاذ القرارات الاستثمارية، وبالتالي يزيد من أهمية بذل الجهد والعناية تجاه آليات بناء تلك القرارات، رغم أن حتى هذه الأخيرة قد تذهب أدراج الرياح قياساً على بعض النتائج أو التبعات القاسية للأزمات المالية، التي حينما تتفاقم لا تفرّق بين الأصول المدرجة في السوق. والمقال هنا يتحدث عن البيئة الاقتصادية والمالية المستقرة، أو شبه المستقرة.

يُفترض في المستثمر بدايةً؛ أن يعمل أولاً على توسيع وتعميق أرصدته المعرفية والعلمية في الجوانب الاقتصادية والمالية، وثانياً أن يكون دائماً مطلعاً ومتابعاً للأخبار والبيانات الاقتصادية والمالية التي تصدر من المؤسسات الرسمية والمالية، ويحاول بقدر ما اكتسبه من معرفة مالية، أن يعكس تلك التطورات على استثماراته في الأسواق، ويمكنه أن يعوّض نقص خبرته أو عدم فهمه لبعض التطورات بالبحث عن رأي الخبراء والمؤسسات المالية الموثوق بها.

تقتضي الفقرة الثانية أعلاه، أن يتنبّه المستثمر إلى ضرورة دراسة وفهم التفاعلات والعلاقات القائمة داخل ومع القطاعات المختلفة للاقتصاد الكلي، وتحليل الأسواق والصناعات التي تعمل فيها الشركات المساهمة المستهدفة، وإسقاط النتائج النهائية لتحليله على الشركة، للربط بينها وبين ما تفصح عنه نشاطات ونتائج الشركة المستهدفة من خلال قوائمها المالية الموضحة لمركزها المالي ”قائمة المركز المالي”، وصافي دخلها المتحقق من أدائها التشغيلي وأي دخل آخر تحقق لها من أنشطة أخرى غير نشاطها الأساسي ”قائمة الدخل”، وأخيراً وليس آخراً التعرّف على كيفية تعامل إدارة الشركة مع النقدية المتوافرة لديها سواءً كانت تدفقات داخلة أم خارجة ”قائمة التدفقات النقدية”.

هذا بدوره سيخدم المستثمر في التعرف بصورةٍ دقيقة على الفرص الحقيقية إن وجدت، وتتيح له التعرّف على المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الشركة المساهمة المستهدفة، وبناء عليه يمكن اتخاذ القرار بالاستثمار من عدمه، وكيف ومتى سيتم اتخاذ القرار بالشراء إذا كان القرار إيجابياً بالاستثمار، وما المدّة الزمنية التي سيحتفظ خلالها بأسهم تلك الشركة في محفظته الاستثمارية.

إن أدرك المستثمر تلك المنظومة جيداً، أمكنه تقييم أداء الاقتصاد الكلي ”النمو الحقيقي لكل من الاقتصاد الكلي والقطاعات غير النفطية، نمو السيولة المحلية، التضخم، معدلات الفائدة، الائتمان المحلي، ميزان المدفوعات…”، ذات التأثير في قيمة الأوراق المالية المستهدفة. إنه تقييم يأخذ في الحسبان الفرص من جانب، ومن جانبٍ آخر يهتم بالمخاطر القائمة سواءً على المستوى الاقتصادي الكلي، أو على القطاع أو النشاط وصولاً إلى تأثر نشاط وأعمال الشركة، مع عدم إغفال درجات التركز والمنافسة في ذلك القطاع بالنسبة للشركة وحصتها السوقية ومدى قوة منافسيها، ودرجة اعتمادها على الأسواق المحلية أو الأسواق الإقليمية أو الأسواق العالمية، والذي سينعكس بطبيعة الحال في محصلته النهائية على قيمة المحفظة الاستثمارية.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/07/31/article_774623.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.