هيكلة الاقتصاد .. أمْ زيادة الرواتب فقط؟ (3 من 3)

أُكمل هنا باختصار حول القرين الثاني المتمثل في الدعم المقدّم على مختلف السلع والخدمات، البالغة تكلفته التقديرية 347 مليار ريال سنوياً (12.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي 2012) وفقاً لتقديرات IMF، استفاد منها الأثرياء والمستثمرون الأجانب أكثر من الفئات المستهدفة بالدعم، كما لم تستفد أيضاً الفئة المدعومة حتى من الزيادة الطفيفة والمتقطعة للرواتب.

للإيضاح؛ استفاد المستثمرون الأجانب في قطاع الصناعات التحويلية من الدعم الحكومي، حيث أظهرت تقارير IMF أن أكثر من 85 في المائة من تدفقات تلك الاستثمارات الأجنبية (747.2 مليار ريال بنهاية 2012)، توجهت إلى الصناعات التي تعتبر من كبريات مستخدمي مواد اللقيم ذات الأسعار المنخفضة (النفط المكرر، المنتجات الكيماوية والبتروكيماوية).

أمامنا الآن ثلاثة إشكالات رئيسة، ترتبط فيما بينها بعلاقات تبادلية لا يمكن إغفالها: (1) انخفاض القوة الشرائية للفرد بنحو – 54.8 في المائة من جراء زيادة الأعباء المعيشية عليه، أوصلته إلى العجز التام، وألجأته لاحقاً للاقتراض، ليصل تحت تلك الضغوط المضاعفة إلى واحدة من أسوأ وأعقد المراحل المعيشية. (2) جمود (شلل) السياسة النقدية أمام انخفاض القوة الشرائية للريال، تولت السياسة المالية نيابة عنها، محاولة التخفيف من الأعباء على الاقتصاد عبر إجراءات ”الفزعة” المفلسة، لكن دون جدوى كونها لم تلامس قاع المشكلة، وأساسها الحقيقي. (3) تأكد أن الدعم الحكومي المرتفعة فاتورته السنوية المقدرة بنحو 347 مليار ريال، ويُقدر أن تناهز 393 مليار ريال بحلول 2017، لم تتحقق فوائده الأكبر إلا للفئات غير المستحقة له (الأثرياء والمستثمرون الأجانب)، ما يستدعي فوراً إعادة النظر فيه، والبدء بالتفكير في بدائل أكثر فائدة وأقل تكلفة.

ما الحل؟ أردت منذ بدأت هذه السلسلة، كشف إفلاس الحلول الوقتية والجزئية. وثبت ذلك بما لا يدع مجالا للشك! وأن الحلول الأشمل والأعمق – وإن كانت قاسية في بداية تطبيقها – هي الأجدى في مثل هذه الحالات التي يعبرها الاقتصاد الوطني والمجتمع المحلي.

لن يكون الحل فقط مجرد اقتراح زيادة الرواتب سواء كانت نسبة الزيادة 1 في المائة أو 1000 في المائة! فهذا لن يجدي دون حزمة حلول أخرى مساعدة، لا تُلامس بأثرها فقط القرينين الآخرين (التضخم، الدعم)، بل تمتد وتتسع دائرتها لتُحيط بكامل السياسات الاقتصادية. وعليه يمكن توصيف حزمة الحلول المقترحة فيما يلي:

أولاً – إعادة تصميم وبناء كافة السياسات والبرامج الاقتصادية المصممة منذ أكثر من أربعة عقود! التي لم يطرأ عليها أي تغيير أو تطوير يُذكر منذ كُتبت قبل أكثر من 43 عاماً مضت، على الرغم من التغيرات والتطورات الخارجية والداخلية اقتصادياً، توالت بصورة مستمرة وعميقة طوال تلك الفترة، كل شيء تغيّر وتبدّل إلا تلك النصوص المحنّطة في خطط التنمية تحت مسمى ”السياسات الاقتصادية”.

التحرك المستهدف من كل هذا؛ وضع رؤية شاملة لحاضر ومستقبل البلاد واقتصادها، يُستمد منها لاحقاً جميع البرامج والسياسات الإنمائية للبلاد والعباد، وتلتزم بها الأجهزة التنفيذية كافة، وفق آليات للتنفيذ والمراقبة والمحاسبة (اقرأ المقال: ما استعدادنا للسنوات الـ 10 القادمة؟ المنشور بصحيفة الاقتصادية في جزءين).

ثانياً – البدء بالعمل المتدرج والمبرمج زمنياً على رفع الدعم الحكومي المقدم للسلع والخدمات وموارد الطاقة، وتحريرها لتخضع لقوى السوق. واستبدالها ببرامج حماية مالية واجتماعية واقتصادية أكثر فعالية، تتركز فقط على الشرائح الاجتماعية المستهدفة بالدعم والرعاية (تتم الآن دراسة تطبيق البطاقة التموينية للسلع والملابس والخدمات، وإعفاء الأسر الفقيرة من رسوم الكهرباء والغاز والماء).

ثالثاً – تأتي بالتزامن أو تسبقها مع الخطوات التطويرية أعلاه (تطوير السياسات، السحب التدريجي للدعم)؛ إجراءات زيادة الرواتب لمنسوبي سوق العمل كافة (الحكومة، القطاع الخاص). وقبل أن أذكر ما النسبة المقترحة لتلك الزيادة، أُذكّر بحقيقتين مهمّتين:

(1) إن الأجر الحقيقي للفرد حتى نهاية 2012 انكمش مقابل قيمته الاسمية بنحو – 54.8 في المائة، بمعنى أن من راتبه الآن يعادل 10 آلاف ريال (القيمة الأسمية)، فإن أجره الحقيقي استناداً لمعامل الانكماش الضمني للناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2012 (سنة الأساس 1999) لا يتجاوز في ميزان أسعار السلع والخدمات الجارية محلياً أكثر من 4.5 ألف ريال!

(2) في الوقت الذي تراوح فيه نسب إجمالي الأجور (تعويضات المشتغلين) إلى الناتج المحلي الإجمالي، لمختلف البلدان المتقدمة والمتقاربة اقتصادياً مع السعودية، بين 50 في المائة كحد أدنى إلى 80 في المائة كحد أعلى، فإن إجمالي الأجور لمجموع القطاعين الحكومي والخاص لدينا لم يتجاوز 21.3 في المائة بنهاية 2012!

وعليه لامتصاص انخفاض القوّة الشرائية، يُقترح زيادة مستوى الأجور الراهنة بما لا يقل عن 121 في المائة، لكل من القطاعين الحكومي والخاص، أخذاً بالاعتبار أن زيادة هائلة متوقعة ستحدث في مستويات الأسعار بمجرّد البدء تدريجياً في سحب الدعم الحكومي، يُتوقّع أن تمتّصه تلك الزيادة الكبيرة المقترحة في الرواتب، وأن تبادر على مستوى آخر مؤسسة النقد إلى خفض قيمة الدولار أمام الريال بنحو 25 في المائة، لتُصبح الزيادة الإجمالية المتحققة في الأجور نحو 146 في المائة.

أُشير هنا إلى أن الزيادة المتوقعة في رواتب موظفي الحكومة لن تتجاوز في سنتها الأولى 336 مليار ريال (لنتذكّر أن الدعم 347 مليار ريال)، وسيظل أدنى قيمة من تكلفة الدعم طوال الأعوام القادمة، في مقابل أن دخل الحكومة سيتعزز بصورة أكبر من نافذة إيراداتها غير النفطية. أمّا بالنسبة للقطاع الخاص، فستكون التأثيرات عليه قوية في البداية، ولكنها لن تنقله إلى هوامش الخسارة! فما سيحدث أن نسبة هوامش أرباحه (بعد زيادة الأجور، وتكاليفه التشغيلية نتيجة حجب الدعم عنه)، ستنخفض من أكثر من 136 في المائة (المسح الاقتصادي 2010 لمصلحة الإحصاءات العامّة) إلى نحو 50 في المائة، ويظل هامشاً ربحياً يفوق بكثير مثيله في أي قطاع أعمال حول العالم! كما سيُسهم مستقبلاً في تخفيف اعتماده على العمالة الوافدة، ويزيد من تنافسيته خارجياً في الأجل الطويل. انتهت السلسلة، غير أن كثيرا من تفاصيلها سيكون له مقالات قادمة، بشرح أوسع وأكبر بإذن الله.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/07/24/article_772732.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.