الشباب.. كلّما حضر ربحنا

تمثل شريحة الشباب في أي مجتمع الثروة الأعلى قيمة، والطاقة البشرية الأولى اللازمة لتلبية متطلبات المجالات الحيوية كافّة، أوّلها الحقل الاقتصادي كمرجحٍ ثقيل الوزن لصالح كفة ميزان التنمية والتقدم الحضاري. وبالنظر إلى تلك المتوالية الثلاثية: (1) فئة الشباب كمصدرٍ مثالي للموارد البشرية، ثم (2) الاقتصاد بما يضمّه من مختلف الأنشطة الإنتاجية، ثم (3) النمو الاقتصادي، والتنمية المستدامة كهدفٍ نهائي للمتوالية، التي نستهدفُ من خلالها اكتشاف أي الاتجاهات الاستراتيجية المثلى الواجب تصميمها، والعمل بموجبها باختلاف آجالها الزمنية.

بناءً عليه؛ يتوجّب صياغة إجاباتٍ حضارية وعملية على الأسئلة التالية: ما الآليات المقترح اتباعها تربوياً وتعليمياً لإخراج هذه الشريحة الأعلى أهمية بين شرائح المجتمع على أفضل وجه؟ وما الخسائر المحتمل مكابدتها إنْ حدث أيّ خلل جزئي أو كلي في المنظومات التربوية والتعليمية المسؤولة عن تلك الشريحة؟ كيف يمكن لنا اكتشاف أوجه القصور الراهنة في المجالات ذات العلاقة بفئة الشباب، بدءاً من سن الطفولة إلى سن العمل، سواء في بيئة الأسرة أو بيئتي التعليم ثم سوق العمل؟ وكيف يمكن معالجتها بحزم دون تعطيل أو تأخير؟!

تلك قضايا جوهرية بالنسبة للمجتمع السعودي، المصنّف ضمن أكثر المجتمعات فتوةً على مستوى العالم، حيث شكّلت فئة الشباب للفئة العمرية الواقعة بين 15 و 39 سنة في عام 2012 أكثر من 43.4 في المائة من السكان السعوديين، أي ما يفوق 8.6 مليون نسمة، تغذّيها الشريحة العمرية دون 15 عاماً سنوياً بالآلاف، والتي يتجاوز تعدادها 7.2 مليون نسمة ”نحو 36.4 في المائة من السعوديين”، بما يعني أن إجمالي منهم دون الـ 39 عاماً تُقدر أعدادهم بأكثر من 15.8 مليون نسمة، يشكّلون 80 في المائة من المجتمع السعودي، ويُتوقع أن يتزايد السعوديين خلال العقد القادم بمتوسط يفوق 450 ألف نسمة سنوياً.

يا تُرى؛ كيف رُسمتْ لهذه الملايين من الشرائح الفتيّة خطوط الحياة حاضراً ومستقبلاً؟ وبماذا تُقيّم تحت مظلة معايير ومؤشرات التنمية البشرية والإنسانية؟ وغيرها من عشرات الأسئلة الأخرى المُقتضى إثارتها ومناقشتها، والإجابة عنها بعقلانية وعملية تلتقي عندها مصالح الدولة والمجتمع على حدٍّ سواء، إجاباتٌ تقتضي استحضار كامل المسؤولية والأمانة والجدية، بل وكامل الجرأة من أجل الثروة الأغلى في الميزان الكلي للمجتمع، والمورد البشري الذي لا يُمكن تعويض فقدانه جزئياً أو كلياً، إجاباتٌ تتجاوز لغة الأرقام والإحصاءات، وتتجاوز أيضاً أعداد المدارس والأندية والمستشفيات، وتتجاوز الأفق المحدود لبعض أجهزة التخطيط والتنمية لدينا، التي توقف تفكيرها عند رصِّ إحصاءات أعداد السكان، وتحديد جنسهم ومناطقهم الجغرافية، دون أن تكلّف نفسها عناء التفكير في متطلبات الأجيال الحاضرة والقادمة، ومحاولة البحث عن أمثل الحلول الكفيلة باحتواء واستقبال طموحات أولئك الشباب ذكوراً وإناثاً، وضرورة توفير البيئة المحفزّة لإطلاق طاقات وأفكار وطموحات هذه الشريحة الأنشط من المجتمع، وحلِّ أية معضلاتٍ أو معوقاتٍ تعترض طريقها.

إنّ المراقب لهذا الجانب الحيوي من جدارنا التنموي الأهم، يشعر بضآلة ما تحقق مقارنةً بما يجب أن يتحقق، فلا عجب أن تشاهد وتلمس إحباطاً يحتل أنفس أغلب فئة الشباب لدينا بدلاً من الطموح والشعور بالمنافسة! أؤكدُ أن ما تم على أرض الواقع حتى الآن لا يتجاوز كونه خطوات خجولة في كثيرٍ من جوانبها، وإثبات ذلك أمرٌ سهل جداً؛ فليس هناك أفضل دليلٍ من شهادة فئة الشباب أنفسهم ذكوراً وإناثاً، تلك الشهادة التي يمكن أن تتلقاها حيةً على الهواء منهم مباشرة! القضية يا سادة أكبر بكثيرٍ من توفير مقاعد للدراسة، أو أماكن محدودة للترفيه والسياحة، أو حتى عقد مؤتمرٍ هنا أو هناك لمعالجة قضايا الشباب السعودي، وإصدار توصياتٍ ورقية لا تقدّم ولا تؤخر على طريق زحزحة جبال الإحباط في قلوبهم.

إننا في مواجهةٍ كبرى مع تطلعات وأحلام شبابٍ، انفتحت أفكارهم واهتماماتهم وتطلعاتهم على مخرجات الحضارة العالمية بصورةٍ أكبر بكثيرٍ من انفتاحه على المحتوى الحضاري لمجتمعه! وهو ما لا يقلل من قيمة المحتوى المحلي بقدر ما أنني أحاول لفت الانتباه إلى واقعٍ قائم بيننا شئنا أم أبينا. كيف لنا أن نخلق لهم قنوات ”عملية” للتعبير عن آرائهم وأحلامهم خلاف صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؟ متى ستضع كلُ من الدولة والمجتمع فيهم ثقتهما؟ ومتى ستتاح لهم فرصة المشاركة المسؤولة في اتخاذ وتنفيذ القرارات التنموية، خاصةً تلك التي تنصب في تحديد مصيرهم المستقبلي أكثر من غيرهم من شرائح المجتمع؟

أؤكد أن المسؤولية الأكبر لأجل تحقيق تلك التطلعات والطموحات المشروعة، يتحملها في الوقت الراهن الشريحة السكانية من المجتمع السعودي المتمركزة في خانتي اتخاذ القرار والإدارة التنفيذية المساندة لها مباشرةً، إضافةً إلى الشريحة ذات الكلمة الأعلى اجتماعياً واقتصادياً، الواقعة ضمن الشريحة العمرية الأكبر من 50 عاماً. لا أنادي تلك الشريحة العمرية الغالية بإفساح مكانها تماماً، بل بالسماح لمن بعدها من الأجيال بمشاركتها الحياة واتخاذ القرار، واختيار الخيارات المتاحة. لا أتحدث هنا إطلاقاً عن تبادل المراكز أو تقديم التنازلات، بل تحديداً عن زيادة الاعتمادية والثقة بين الأجيال لا أقل ولا أكثر!

إنهم الطاقة والقوة والعصب الأكثر نشاطاً في دورة حياة المجتمع، وأيّ تجاهلٍ أو أي تحجيمٍ لها غير مسؤول، من شأنه أن يؤدي إلى نتائج وخيمة جداً، قد لا يُحسب لها حسبان، فلن تقف عند مجرد هدرها وفقدانها، بل قد تتحول إلى قوةٍ مضادّة تدمّر المكتسبات والمقدرات! وليس هذا بالطبع ضمن بنود التنبؤات أو التوقعات، فقد شهدتْ أعيننا عياناً بياناً طوفانها العنيف؛ وكيف أنه اكتسح السدود والحواجز بصورةٍ تخطّتْ رؤى وتوقعات أكبر وأذكى المراكز الإستراتيجية المستقبلية! إذاً؛ فتْح جميع الأبواب والنوافذ أمام التطلعات والأحلام المشروعة لهذه الفئة هو المطلب الأول، وثانياً: تفعيل مشاركتهم ودورهم بأقصى درجة في مختلف جوانب الحياة، وثالثاً: تفويض جزءٍ كبيرٍ من المسؤوليات والمهام والصلاحيات للفاعلين المؤهلين منهم. أحْضروهم للواجهة، لنكون جميعاً في الواجهة!

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/07/17/article_770993.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.