التغيير .. خطوة للأمام أو للخلف؟

يخضع الإنسان بحكم طبيعته البشرية في نظرته وتقييمه لكل ما حوله من متغيرات الحياة، لما أُصطلح على تسميته بالإطار الفكري، وهو الإطار الذي يتحكّم في فهم واستيعاب وإدراك الإنسان لكل تلك المتغيرات من حوله. يمثل هذا الإطار المفتاح الأهم لأي معادلة تغيير أو تطوير، سواءً تلك التي تستهدف الفرد أو المجتمع، ما يستدعي للأهمية القصوى أخذها بعين الاعتبار قبل البدء بأي تغيير أو تطوير، سواءً على مستوى الأفراد أو المجتمعات.

يتشكّل هذا الإطار الفكري المتحكّم تماماً بأيّ إنسان من ثلاثة محددات رئيسة، هي على النحو الآتي: (1) المحدد النفسي ضمن دائرة الذات البشرية. (2) المحدد الاجتماعي ضمن دائرة المجتمع المحيط. (3) المحدد الحضاري ضمن دائرة الثقافة السائدة أو المسيطرة. لهذا تعتمد إدارة تغيير تلك النظرة الإنسانية لأي مُعطى من معطيات الحياة بالدرجة الأولى، على إحداث التغيير في أحد أو كلٍ من تلك المكونات الرئيسة للإطار الفكري! فلا تذهب الإدارة الحديثة للتغيير مباشرةً لتغيير الصورة، قبل أنْ تقوم بتغيير العدسة التي ينظر المرء من خلالها! بمعنى أن ما تراه من خلال عدسةٍ حمراء -على سبيل المثال- لن تراه بلون آخر إلا إذا قمت بتغيير لون تلك العدسة، وتلك هي الخطوة الأولى الهامّة في عملية التغيير.

الخطوة الثانية وهي الأهم من وجهة نظري مقارنة بالخطوتين الأولى والثالثة، التي تُعنى بالإجابة على السؤال المحوري: ما هي المكونات الجديدة للمحدد الذي قمت بتغييره؟ وكيف تم اختياره؟ ذلك هو الجهد الكبير والمعقد الذي يعتمد عليه نجاح عملية التغيير برمتها بصورةٍ تكاد تقترب إلى نسبة الـ 100 في المائة. قد تُشعرك عملية التغيير بأنك تقدمت إلى الأمام، بينما في واقع الحال لا أقل من أنّك قد تقدمت خطوةً إلى الأمام من جانبٍ هامشي، في حين قد تكون تراجعت في مجالاتٍ أخرى أساسية أهملتها -دون علم أو لنقص الخبرة- ألف خطوة أو تزيد إلى الخلف، لتصبح بعدها في موقعٍ أكثر انتكاسة وخسارة مما لو بقيت دون تغيير!

الخطوة الثالثة والأخيرة، هي استمرار عملية التحديث للمفردات المتغيرة دون الثوابت في صلب تشكيل تلك المحددات الثلاثة الرئيسة، دون الخوض -الذي يطول التفكير فيه- فيما هو ثابت ومتغير من مكونات تلك المحددات.

أركّز حديثي هنا على الخطوة الثانية أعلاه؛ فكثيراً من قرارات التغيير التي تُتخذ من قبل البعض بداعي التطوير، سواءً على الصعيد الذاتي-الفردي أو التنظيمي المرتبط بمتغيرات خارجية، يُصادف أن تسقط فشلاً في قاع أسوأ أنواع التغيير أو التطوير، التي تلخّصها العبارة التالية ”خطوة إلى الأمام .. وألف خطوة إلى الخلف”. وهذه قاعدة تنطبق على أي نوعٍ من أنواع القرارات سواءً في الشأن الاقتصادي أو الإداري أو القانوني أو الاجتماعي أو أي شأن عام أو خاص آخر.

ولك أن تراقب بعناية وكثيرٍ من الفحص العقلاني كثيراً من المشاهدات اليومية في حياتنا المعاصرة، لترى بعينيك أكواماً من القرارات ”التطويرية” أو ”التغييرية”، وقد تُسبغ عليها بعض العبارات اللاحقة لإعطائها مزيداً من الوهج ككلمة ”الاستراتيجية”، أو ”ذات الرؤية البعيدة” وخلافه من العبارات الفضفاضة، ورغم كل ذلك تراها قد عادت بك ألف خطوةٍ أو تزيد إلى الخلف! نحو نقطة أكثر ظلاماً وأفدح أخطاءً مما كنا نقف عليه الآن، ورحم الله أسلافنا فقد تنبهوا إلى هذه الحفرة العميقة مبكراً؛ حينما قالوا : ”اصبر على قردك لا يجيك أقرد منه”.

قد أكون أفرطتُ في التنظير، وأسهبتُ في تخوم الخيال والبعد عن الواقع، ولكن القضية واسعة النطاق وتمتد إلى كثيرٍ من جوانب حياتنا المعاصرة، ومن الصعوبة بمكان أن ألمّ أطرافها في نسيج كلمات هذا المقال القصير، فكم صُدم البعض منا في كثيرٍ من القرارات سواءً تلك التي اتخذناها على الصعيد الشخصي وما حملته لنا من ويلات وانتكاسات، أو على الصعيد التنظيمي في علاقتنا مع الآخرين في منظمات العمل أو أي من المجالات الأخرى، وما جرّته خلفها من انتكاساتٍ كنا في غنى عنها؟

كما هو معلوم أن أي قرار يتم اتخاذه يُصنع في ”ورشة عمل فكرية”، تتحكم في تلك الورشة الفكرية؛ المحددات الثلاثة التالية المذكورة بالتفصيل أعلاه: المحدد النفسي، والمحدد الاجتماعي، والمحدد الحضاري، فحينما تتضمن تلك المحددات أموراً لا تتواءم مع معطيات العصر، ولا تستجيب لتطلعاته أو تتفوق على تحدياته، فتأكد أن النتائج التي ستفضي بها تلك القرارات ليست إلا انطلاقاً سريعاً للخلف! حينها ليت الوضع السيئ يتوقف عند تكريس وتفاقم المشكلة التي أراد القرار معالجتها، بل قد تظهر مشكلات أخرى كانت البيئة التنظيمية في غنىً عنها.

أمام هذه الوضعية، هناك خياران يمكن لورشة العمل المعنية بدراسة وبحث المشكلة أو الحالة اختيار أحدهما؛ الأول التعايش والتكيف مع الحالة المختلة الراهنة أو المشكلة، وهذا خيار العاجز، ومشلول الإرادة.

الخيار الثاني لمن يمتلك الأدوات والموارد والقدرات اللازمة، لاتخاذ القرارات الجريئة والشجاعة والعقلانية المتجهة مباشرةً إلى معالجة المشكلة تحديداً، وفق معادلة متوازنة تحافظ على استقرار وتقدم بقية المعطيات ذات العلاقة، وفي الوقت نفسه تعالج المشكلة موضوع قرار التغيير أو التطوير، وهو الخيار الواجب السعي إليه بكل جهدٍ متوافر لدينا، الذي يتطلب بدايةً إحداث التغيير اللازم في تلك المقدمة الداخلية ذهنياً وفكرياً المفضية إلى مواجهة المشكلة ومحاصرتها وحلّها.

أخيراً، لا يوجد أيّ جزءٍ من وجودنا لا يتغيّر أو هو معصومٌ من التغيير! شاء ”المرء” أم أبى، شعر به أم لم يشعر، تسيطر سنّة التغيير كما سنّها الله في كل ما خلق. العاقل اللبيب هو من أدرك سنّة الله تلك، فعمل على مجاراتها وجعلها فرصة لتطوره نحو الأفضل له ولمن ارتبط مصيرهم بمصيره. أمّا من قاوم رفْضاً وعن جهالة لسنّة الله في خلقه ”التغيير”، فليتحمل نتيجة تراكم السلبيات وما يمكن أن ينتج عنها من كوارث لا يعلم آثارها إلا الله.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2013/07/13/article_769883.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت ضمن التصنيف اقتصاديات, الرأي. الأوسمة: , , , , , , , , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

التعليقات مغلقة.